هل اّن الأوان لقيام الناتو العربي؟

 هل اّن الأوان لقيام الناتو العربي؟

تزايدت في الفترة الأخير جهود الخارجية الأمريكية لإنشاء الناتو العربي أو ما يسمى حلف الشرق الأوسط الاستراتيجي وذلك للحد من مساعي إيران في التدخل في شئون المنطقة الداخلية. حيث أمضى نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الخليج العربي، تيم ليندركينغ، فترة ليست بالقليلة في القيام بمهمات ديبلوماسية إقليمية في الخليج، بهدف التمهيد لقمة سوف تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية في يناير/ كانون الثاني المقبل لإطلاق “تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي” أو “الناتو العربي” كما يسميه البعض. أوضح ليندركينغ أنه إضافة للدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي (السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر وعمان) ستكون كل من الولايات المتحدة الأمريكية ومصر والأردن أعضاء في هذا التحالف.

نشأت بذور هذه الفكرة من قمة الرياض عام 2017 حيث اتفق الجميع حينها على أن الولايات المتحدة ودول مجلس ت هذا التوقيت بالذات، فقد تراجعت سيادة الولايات المتحدة الامريكية في منطقة الشرق الأوسط وهو تراجع تمركز في الميدان السوري. فخسارة الإرهاب في سوريا الذي كان يستثمر به الأمريكيون بطرق غير مباشرة، هذا التراجع أدى إلى إرباك أمريكي، حيث بمجرد أن تتمكن الدولة السورية من فرض سيادتها على كامل أراضيها، سينتقل نفوذها ونفوذ حلفائها للإقليم، باعتبار أن سوريا تلعب دورا عربي فاعلا، لذلك قام الأميركيون وهم متوجسون من هذا التراجع، بإرباك الوضع في منطقة إدلب، ثم اعتبروا أن إنشاء حلف عربي ربما يصبح تحالفا مع إسرائيل، وربما مع باكستان أيضا.

وكان مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية قد قدّما عددا من المبادرات العسكرية، ففي عام 2015. طرحت الجامعة العربية فكرة إنشاء «قوة استجابة» تضم حوالي 40 ألف جندي، لكن لم تنفذ؛ بسبب عدم وجود اتفاق على الخدمات اللوجستية للخطة، كما الحال مع مبادرة مجلس التعاون الخليجي، بتشكيل قوة درع شبه الجزيرة العربية، واتفاقية الدفاع المتبادل، والتي تم توقيعها في عام 2000.

وجه بعض المفكرون السياسيون السبب في إنشاء الحلف إلى اهتزاز الثقة بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وخاصة بعد أن أعلنت إدارة «ترامب» أن دوله «فشلت في الإيفاء بتعهداتها برفع ميزانيات الدفاع»، مؤكدين أن نجاحه في إقامة مثل هذا الحلف يعد بمثابة إنجاز لإدارته؛ كونه يضم مثل هذه الدول، بالإضافة إلى أنه سيحقق توازنا عسكريا في مواجهة إيران، فيما توقعوا أن يتشكل الحلف الجديد على غرار نظيره الغربي، وتكون له ثلاث سمات رئيسية: هيكل قيادة عسكرية متكامل، وميثاق للإنفاق الجماعي لتقديم مساهمات لتوسيع نطاق القدرات الدفاعية، واتفاقيات لتعزيز الأمن الجماعي.

ويرى البعض أنه إلى جانب توحيد الموارد، فإن تشكيل «الناتو العربي» سيقدم ميزة أخرى، وهي تحقيق الاستقلال الاستراتيجي عن الشركاء الدوليين. يقول «تومي ستينر»، من معهد السياسة والاستراتيجية: «إن الاتجاه نحو التعاون العسكري يعكس تفاهما للحقائق الجيوسياسية الإقليمية الجديدة، حيث لم يعد حلفاء الغرب العرب يعتمدون فقط على المظلة العسكرية الأمريكية، فهم يدركون أنهم بحاجة إلى الدفاع عن أنفسهم وتجميع الموارد لمواجهة التهديدات التي تشكلها إيران».

على الرغم من الفائدة الكبرى لمثل هذا الاتحاد فإن له مساوئ عدة تتمثل في أن ذا لم يتم تنفيذه بشكل صحيح، فإنه قد يُضعِف من القدرة الدفاعية للدول الأعضاء ذاتها، وهذا سيناريو من المحتمل أن ينشأ في حالة عدم رغبة الدول الأعضاء في التعاون بشأن قضايا يبدو أنها قد تقوّض السيادة الإقليمية أو تصطدم مباشرة بمصالحها الوطنية، أو تتعلق برفع موازنتها العسكرية؛ وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى خفض مستوى الاستجابة والكفاءة والقوة اللوجستية الشاملة لتلك البلدان. وفي هذا السياق يقول «أنتوني كوردسمان» من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: «على الرغم أن الناتو العربي يعكس حاجة حقيقية للأمن الجماعي، فإنه لا يمكن أن يُطبَّق إلا إذا وجدت جميع العناصر الأساسية، مثل التكامل وإمكانية التشغيل المتبادل، وتوحيد المعايير والمرافق المشتركة والقدرات التدريبية.

فيما تنبأ المحلل الأمريكي «كيث برستون»، بعدم نجاح هذا التحالف؛ بسبب اتخاذ روسيا والصين إجراءات تعارض إنشاءه في منطقة آسيا الغربية، مؤكدا أنه سيكون مشوبا بالتوترات الداخلية، وفي حال توسيع نطاقه، فإن من المحتمل أن ترفع روسيا والصين من مستوى مساعداتهما للقوى المعارضة له في الشرق الأوسط. ولعل محاولات تشكيل تحالف للأمن الجماعي العربي قد فشلت سابقا؛ لأن التهديدات والمخاوف الأمنية لدول الخليج العربية ليست متجانسة، وسريعة التغير، فضلا عن وجود اختلافات استراتيجية بين الدول الأعضاء في الأصل، تتعلق بـ «تصورات مختلفة بشكل جذري عن التهديدات الإيرانية».

 

أثبتت الدول العربية في كثير من المواقف قدرتها على الاتحاد والعمل سوياً على مواجهة الجماعات الإرهابية بشكل متقطع من خلال تحالفات غير رسمية من أجل القضاء على التهديد، من دون الحاجة إلى تحالف رسمي ومؤسسي والتقيد بالالتزامات المرتبطة بهذا الشأن، وذلك بحسب ما جاء في افتتاحية لوكالة بلومبرج يوم 15 أغسطس الجاري. ومع ذلك، يجب الوضع في الاعتبار أيضًا أن هذه الاختلافات المحتملة عقب تشكيل الناتو هي محض أفكار تخمينية أو تأملية. ولا يخفى أنه كانت هناك شكوك مماثلة من قِبَل المحللين في وقت تشكيل حلف شمال الأطلسي الراهن، وهو تحالف أثبت أنه من بين الأطر العسكرية الأقوى والأكثر فاعلية في التاريخ.

على العموم، إن السياق الإقليمي الجيوستراتيجي الذي سينشأ في كنفه الناتو العربي الراهن، والمتمثل في توسع نفوذ إيران في المنطقة يقدم أفضل سياق يمكن من خلاله تشكيل هذا الحلف، وهو ما قد يعمل على الاستقلالية لكل الأعضاء من دون تمييز؛ ولا شك أن هذا الحلف سيكون بمثابة دافع لإعادة دمج الدول العربية التي تخضع حاليًا لتأثير إيران مرة أخرى في الداخل الإقليمي. وعلى الرغم من المخاطر، فإن المبادرة تقدم مزايا يصعب تجاهلها.

من المتوقع أن يصبح التحالف العسكري الجديد، في حال تشكيله، منصة للمشاورات المشتركة، إضافة إلى أساس لإنشاء أنظمة إقليمية للدفاع الجوي والصاروخي، وإجراء مناورات عسكرية مشتركة. وتتماشى نوايا ترامب مع استراتيجية الأمن القومي الأمريكية، التي تنص على “توسيع آليات التشاور الإقليمية و”تعميق التفاعل” بين الدول، التي تدعمها الولايات المتحدة. ومن وجهة نظر ترامب، فإن الولايات المتحدة دفعت الكثير لتوفير أمن حلفائها في الشرق الأوسط، والآن حان الوقت لأن يدافعوا عن أنفسهم.

 

يوجد العديد من المخاطر المحيطة بمنطقة الشرق الأوسط من تدخلات دول أخرى مثل إيران إلى مخاطر الجماعات الإرهابية المنظمة والمدعومة بقوى خارجية وداخلية. ومع وجود مثل هذه التهديدات. كان لزاماً على العرب توحيد القوى العسكرية والمادية لموجهتها وردعها وإلا ستكون العواقب وخيمة وغير محمودة. نعم، سيكون هناك الكثير من الانشقاق داخل الحلف. وستنتج اختلافات كثيرة وسينتج عنها حدة في المشاورات وتصاعد في شدة اللهجات ولكن وجود الحلف نفسه سيجعل من يريد التدخل في شئون المنطقة العربية يراجع نفسه أكثر من مرة قبل القيام بهذا.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *