مقال بمناسبة ذكرى وفاة اسد المغرب الأقصى محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله

 مقال بمناسبة ذكرى وفاة اسد المغرب الأقصى محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله

مقال من كتاب ( مذكرات نصف قرن من العمل الاسلامي 1945 – 1995)  للدكتور توفيق محمد الشاوي، مطبعة دار الشروق، 1419ه – 1998 م نعيد نشره بمناسبة ذكرى وفاة القائد الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله. يوم 6 فبراير 1963م

كان الدكتور „” المهدي بن عبود” يدرس الطب في باريس، لكنه كان يقرأ في كتب الفلسفة و التصوف أكثر مما يقرأ في كتب الطب، و مع ذلك أكمل دراسته، وبدأ التدريب عندما تعرفت به في نادي الطلبة المغاربة بشارع ( الثعبان ) وسعدت كثيرا بالحوار معه، فقد كان واسع الاطلاع في علوم الإسلام و الفلسفات العصرية. وكان إسلامه نموذجيا علميا و قلبيا. ومنذ أول لحظة تعرفت إليه فيها إلى اليوم وهو يدعوني „”يا خالي، لأن أمه شاوية”  و لم تكن هذه هي الرابطة الوحيدة التي تربطني به، بل كان الإيمان بالوحدة الإسلامية (( المصير المشترك لجميع شعوبنا)) هو الرباط الفكري الذي يجمع بيننا، و عن طريقه تعرفت على جميع أعظاء اللجنة الممثلة لحزب الاستقلال في المغرب وهم ”عبد اللطيف بن جلون” (و كان طبيبا)، „” و مولاي أحمد العلوي إبراهيم” (و كان يدرس الآداب) ، „” و عبد الرحمان بوعبيد” (و كان يدرس الاقتصاد)، „” و مولاي أحمد العلوي” وكان يدرس الطب.

         لقد كنت أتردد عليهم من حين لآخر في النادي و المطعم الخاص بهم، و كنت أعاتبهم على هذه الانعزالية التي جعلتهم ينفصلون عن الجزائريين و التونسيين في نادي „” سان ميشيل ١١٥”، وفهمت أن السبب في ذلك أن الممول لناديهم هو „” الملك محمد الخامس” ، عن طريق بعض قادة حزب الاستقلال، وأنهم يتميزون عن الجزائريين لأن لهم دولة، و يختلفون عن التونسيين في أن لهم ملكا يحبونه و يحبهم، ويدعم الحركة الوطنية و يعتبرون تعاونه مع حزب الاستقلال ضمانة كبرى لنجاح الكفاح الوطني.

        و قد كان هذا الفهم هو الذي أكده لي وفد حزب الاستقلال، الذي جاء إلى باريس، و قدمني إليه أصدقائي المغاربة، و استفدت كثيرا بأحاديثي و لقاءاتي معهم و مع من كانوا يترددون عليهم من المغاربة و المسلمين أثناء هذه الزيارة التي تحدثت عنها تفصيلا.

       لقد سمعت من أصدقائي المغاربة كثيرا عن إعجابهم „” بالملك محمد الخامس” وثقتهم فيه، و أنهم يعتبرونه الزعيم الحقيقي للحركة الوطنية، و أن إيمانه بالإسلام و التزامه به يجعله في صف أئمة المسلمين الأوائل، و أن الفرنسيين يكرهونه  كرها عميقا لهذا السبب. وقد فشلت كل المحاولات التي قاموا بها لإبعاده عن الوطنيين أو إبعادهم عنه، أو الإيقاع بين الطرفين.

       و في أوائل الصيف من عام (١٩٤٦) فوجئت بصديقي التونسي „” محمد الميلي” يقتحم علي باب الغرفة، و هو يكاد يطير من الفرح، وبيده صحيفة فرنسية بعنوان ضخم „” عبد الكريم يفلت من الفرنسيين ، و يلجأ إلى القاهرة”، و عرفت تدريجيا قصة هذا الهرب، و أهم ما لاحظته هو أن هذه أول مرة يقوم فيها بعض الوطنيين الجزائريين و المغاربة و التونسيين المشتركين في مكتب المغرب العربي بالقاهرة بعمل مشترك، يدل على تضامن الحركات الوطنية في الاقطار الثلاثة و وحدتها، اذ أنهم علموا بأن سفينة فرنسية قادمة من شرق افريقيا سوف تعبر قناة السويس، متجهة إلى مرسيليا بفرنسا و أن على ظهرها „” الأمير عبد الكريم الخطابي” و أسرته، فسارعوا إليها جميعا، و صعدوا إلى السفينة في السويس عند مرورها بالقناة، و التقوا به على ظهر السفينة، و أعطوه معلومات عن سير الحركات الوطنية في شمال أفريقيا، و عن اتحادهم في إطار مكتب المغرب العربي الذي يمثلها بالقاهرة، الذي تدعمه و ترعاه الجامعة العربية و الحكومة المصرية، و أن هذه الحركات متضامنة و متعاونة و هم الذين اقترحوا عليه أن يلجأ إلى مصر و يستريح من الأسر الذي فرضه الفرنسيون عليه منذ أن اعتقلوه في المغرب بعد نهاية ثورة الريف المشهورة التي قادها، و التي مازالت دميع شعوب أقطار شمال أفريقيا تفتخر بانتصاراتها و تعتز بقائدها الذي أسره الفرنسيون.

       وقد سر الأمير بهذه الصورة البراقة التي عرضها عليه وفد مكتب المغرب العربي و أسر لهم بأنه على استعداد للإلتجاء إلى مصر إذا أبلغته الحكومة المصرية رسميا بموافقتها على ذلك، وفعلا اتصل الوفد „” بعبد الرحمان عزام” الأمين العام لجامعة الدول العربية، الذي كان يحظى بتأييد شخصي و ثقة كاملة من الملك فاروق و حكومته في ذلك الوقت، فكلفت محافظ القناة لمقابلة الأمير على ظهر الباخرة في الإسماعلية و إبلاغه تحيات „”الملك فاروق” و حكومته و ترحيبهما به إذا أراد الإقامة  بمصر، وعندما شكره الأمير و أبدى رغبته في مغادرة السفينة أصدر المحافظ لقائد السفينة أوامر الحكومة بتسهيل مغادرته لها، و لما كانت السفينة تجارية في المياه المصرية، فإن قائد السفينة لم يستطع أن يعارض في تنفيذ عملية نزول الأمير و حاشيته الذين رغبوا في مغادرتها للإلتجاء إلى مصر.

       كانت تعليقات الصحف الفرنسية تميل إلى مهاجمة الحكومة الفرنسية، بحجة تقصيرها في الاحتياطات اللازمة في مثل هذه الحالة، إذ كان يجب على الأقل أن تكون السفينة حربية حتى يستطيع قائدها أن يتمسك بحصانة السفن الحربية، أو الا تمر بقناة السويس، و تأخذ طريقا آخر. وظهر من التعليقات أن الحكومة الفرنسية كانت مطمئنة إلى أنها إنما كانت تقدم للأمير الأسير فرصة كان يترقبها منذ عشرين عاما للخروج من الأسر في جزيرة أفريقية استوائية نائية، لكي يحظى بالإقامة على الشاطيء الأزرق „” الكوت دازور” على البحر الأبيض المتوسط، قرب مدينة نيس، في قصر كان يملكه أكبر مارشال في فرنسا و هو „”بيتان”  الذي كان له دور كبير في القضاء على ثورة الأمير عبد الكريم و أسره، بل أكثر من ذلك كان البعض يلوحون لملك المغرب „” محمد الخامس”، وربما أيضا” الأمير عبد الكريم” نفسه، أنه إذا استمر الملك نفسه في عناده و دعمه لقادة حزب الاستقلال و الوطنيين المغاربة، و معارضته لخطط المقيم العام الفرنسي، فإن فرنسا لديها بديل جاهز ليحل محله، و هو الأمير „” عبد الكريم” الذي كانوا يعتقدون أنه سيكون سعيدا إذا عرض عليه الفرنسيون عرش المملكة المغربية بدلا من „”محمد الخامس”  الذي سيكون مصيره أن يحل محله في معتقله الأفريقي في إحدى الجزر الفرنسية النائية…

        كان شباب الحركات الوطنية في المغرب و تونس و الجزائر المقيمين في باريس سعداء بما يطالعونه في الصحف الفرنسية من صرخات تعبر عن أسفهم لفشل المخطط الفرنسي، الذي كشف نيتهم في عزل „” محمد الخامس”، كما عزلوا „” المنصف” باي تونس من قبل.

       و لكن لم يمض بضعة أعوام حتى نفذ الاستعمار الفرنسي خطته، وعزل محمد الخامس، ووضع مكانه أحد أفراد أسرته العلوية باسم السلطان „” ابن عرفه”، و فتحوا بذلك للحركة الوطنية بابا جديدا للكفاح من اجل استقلال المغرب الأقصى، و عودة الملك المخلوع وكان ميدان هذه المعركة هو القاهرة، حيث الحكومة المصرية، „” وعبد الله عزام” و جامعة الدول العربية، و كان لي دور في هذه المعركة بعد عودتي للقاهرة عقب انتهاء البعثة.

       كان نبأ هروب „” الأمير عبد الكريم”، بعد فترة من هروب الحاج „” أمين الحسيني” مفتي فلسطين”، و تحررهما من الأسر و المنفى و الإقامة الجبرية التي فرضتها السلطات الفرنسية و التجاؤهما إلى القاهرة، مادة لتعليقات الصحف الفرنسية الغاضبة أشد من تعليقاتها المهاجمة للجامعة العربية بعد نجاحها في الدفاع عن استقلال سوريا و لبنان لأنها في ذلك الوقت كانت تعزي نفسها باتهام الإنجليز بأنهم وراء ذلك كله. أما في هاتين الحادثتين فلم يكن هناك مجال لاتهام بريطانيا، بل كانوا يلوحون بعدائهم القديم للإسلام أو بالمعارك التي خاضها العرب و المسلمون في الدفاع عن أرض الإسلام و أمته ضد الغزو الاستعماري للدول الأوروبية التي نجحت في القضاء على دولته، و السيطرة على شعوبه و أمته. وهذه الحملات الإعلامية ذكرتنا بآمال المسلمين في جميع أنحاء القارة الأفريقية و الأسيوية، الذين كانوا يتلقون أنباء انتصارات „” الأمير عبد الكريم” على الإسبان و الفرنسيين بفرح و ابتهاج خفف عنهم هول الكارثة التي نزلت بالدولة العثمانية لهزيمتها في الحرب العالمية الأولى، و تحكم العسكريين الكماليين الذين نفذوا مطالب الدول الأوروبية بإلغاء الخلافة و التخلي عن الإمبراطورية الإسلامية، و تحويل تركيا إلى جمهورية وطنية لا دينية علمانية. وقد أدى ابتهاج كثيرين بانتصارات „” الأمير عبد الكريم” في ذلك الوقت إلى أن تراودهم الآمال بأن بتولى الخلافة، و يحمل مسؤوليتها التي أعلن الأتراك عجزهم عن مواجهتها، و كانت نسبته إلى أمير المؤمنين „” عمر بن الخطاب” مبررا آخر لترشيحه لخلافة عربية تحل محل الخلافة العثمانية.

       لقد سمعت كذلك بعض التعليقات من طلاب أفريقيا الشمالية التي تشير إلى آمالهم في أن يعود „ الأمير عبد الكريم” إلى بلاده، و إلى شبابه مقاتلا ثائرا، لا ملكا متوجا ليقود ثورة جديدة ضد الاستعمار لطرد الفرنسيين لا من المغرب فقط، بل من الجزائر و تونس، و كان بعض الشباب الذين لا ينتظمون في الأحزاب الوطنية يرون أن التفاف العاملين بمكتب المغرب العربي في القاهرة حول „” عبد الكريم”، سيكون بداية حركة وطنية و حدوية شاملة تتجاوز نطاق الأحزاب القطرية، و ترفع شعار الوحدة بين هذه الشعوب، بل وربما تجاوزها إلى وحدة العالم الاسلامي كله.

      مرت على ذهني كل هذه الصور، عندما زرت „” الأمير عبد الكريم الخطابي” في القاهرة و جلست أستمع إلى حديثه عن الجهاد، و إصراره على أن هناك سبيلا واحدا للحرية هو القتال المسلح، و كل ما عدا ذلك مما تتكلم عنه تلك الاحزاب الوطنية هو عبث وضياع للوقت. وكنت أرى من خلال حديثه صورة الشاب الذي بدأ حياته قاضيا شرعيا في „” مليله”، ثم نهض ليقود جيوش المتطوعين من أبناء الريف ليحطم بهم جيوش اسبانيا في معركة بعد أخرى، ثم يحارب اسبانيا و فرنسا معا بلا تردد و لا رهبة، بل كنت أرى في الجهة الأخرى صورة الأمير عبد القادر بطل الجزائر الذي ورث العلم عن أبيه الشيخ واتجه إلى مقاومة قوات فرنسا الغازية في الجزائر قبل ذلك بمائة عام ، و من بعده الشيخ الوقور „” عمر المختار” في „”برقة و ليبيا” ، الذي كان يعلم القرآن لأطفال شعبه، ثم نهض لقتال الطاليان. و أذكر كذلك ما قاله لي الحاج „” أمين الحسيني” كلما قابلته و ما كان يقول لجميع من يلتقي بهم من الإخوان من أن المقاومة المسلحة هي الوسيلة الوحيدة للتحرر من الاستعمار الذي لا يفهم إلا لغة القتال….

        كان الحاج „”أمين الحسيني” يقول دائما: إن القتال المسلح مع اليهود و الأنجليز لا مفر منه، و إذا نحن لم نقدم عليه، فسوف يلاحقوننا به و يضطروننا إليه و يضربوننا و نحن آمنون في بيوتنا، فخير لنا أن نواجههم في ميادين القتال، من أن يأخذونا على غرة و نحن مستسلمون خاضعون …

        لقد رأيت في „” الأمير عبد الكريم” كل هذه الصور مجتمعة، و رأيت فيه شخصية المغرب الأقصى، و جبال الريف، و قبائل الأطلس، التي لا ينال منها الزمن و لا تضرها الأيام. و أتذكر قول صديق لي عاش في المغرب عندما قال لي: إن الزمن لا وجود له هناك!

و منذ ذلك الوقت أيقنت أن المغرب سُمي الأقصى لانه يفصل بيننا و بينه بعد المكان، و مشقة السفر، و هو أيضا يُمثل بعدا زمانيا في تاريخنا، إذ نرى فيه صورة كاملة لجميع عصور التاريخ الإسلامي التي لا نراها في بلاد أخرى بما في ذلك عصور الأندلس الزاهية التي مازلنا نراها حية، بل نراها مجتمعة في صعيد واحد بهذا البلد العريق، و كلما تذكرت ذلك زاد شوقي إلى المغرب الأقصى و أملي في رؤيته

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *