Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!
الأربعاء , نوفمبر 21 2018
آخر الأخبار
الرئيسية / مدونات / مذكرات الأستاذ محمد أزرقان – الحلقة السابعة

مذكرات الأستاذ محمد أزرقان – الحلقة السابعة

كانت متابعة الدروس خمسة أيام في الأسبوع مرهقة ومتعبة، وكنت أنتظر إجازة نهاية الأسبوع بشغف وفارغ من الصبر لأنفس عن نفسي باللعب والمرح بين أحضان الطبيعة الخضراء، خاصة أجواء فصل الربيع تمنحني الطمئنينة والهدوء وتخلصني من  توتر وإجهاد متابعة الدروس وصرامة المدرسين.

يوم السبت والأحد بعد تناول وجبة الفطور نستأذن الوالدة أنا والأخ علي بالخروج للعب. كرة القدم والغميضة هما اللعبتان المفضلتان لدينا. الغميضة تأخذ جل الوقت للعب عندما يذهب أحدنا يختبئ في مكان ليس من السهل كشفه. وأما كرة القدم فغالبا ما كانت تنتهي بالشجار والخصام.

وأما إذا ابتعدنا عن البيت فيكون برنامج اللعب برنامجا آخر، تحدده طبيعة المكان الذي نذهب إليه ومع من نلتقي  فيه من الأطفال.

ومن جانب الوالدة فكانت توصينا بألا نتأخر عن إنجاز واجبنا المدرسي الذي ينتظرنا، حتى نكون في مأمن من غضبة المدرسين وألا تتكرر الحادثة السابقة وما لا يحمد عقباه. أتذكر الوالدة وحرصها علينا وهي تودعنا بهذه الوصية قبل انطلاقنا باتجاه المدرسة: انتبه جيدا ونفذ ما يطلبه المعلم منك ولا تعصيه!..

لم تكن الحالة الصحية للوالدة في هذه الفترة على ما يرام. في غالبية الأحيان نراها طريحة الفراش، تشكو من داء لا نعرف كنهه وطبيعته، رغم الكشوفات والفحوصات الطبية التي أخضعت لها. ومع ذلك لا تدخر جهدا لتنهض من فراشها متكئة على عكاز، لتودعنا بالتوفيق والنجاح عند الذهاب إلى المدرسة ، بعدما أن توصينا بوصيتها المعتادة: طاعة المدرس وعدم عصيانه، للنجاة من غضبته وضربه.

خمسة أيام في الأسبوع كاملة يخضعوننا المدرسون فيها لنظام صارم ممل، يحد من رغباتنا وحرياتنا الشخصية. جل المدرسين لم يكونوا في مستوى أخلاقيات المهنة ولم تكن لديهم مؤهلات وميولات، تسهل عليهم عملهم باحترافية ومهنية. المدرس الذي يمارس السلطوية ليضيق الخناق على التلاميذ طوال حصص الدرس هو مدرس تنقصه السمات الشخصية والكفاءات المهنية، لا فائدة ترجى من دروسه.

وأي تعليم لا ينجح في خلق الجو المناسب لتحفيز التلميذ ودفعه للقراءة في أوقات فراغه خارج فصول الدراسة، أي يجعل  التلميذ يبني شخصيته الفكرية والروحية بنفسه فهو تعليم فاشل كيفما كانت أهمية البرامج المسطرة والمناهج المتبعة وحنكة المدرسين. وما بالك بمؤسسة تعليمية إدارتها دون المستوى ومدرسوها سلطويين ليست لهم كفاءة وقدرات تربوية!!!

إن الأجواء التي كنا نتلقى فيها الدروس، كانت غير محفزة ومشجعة على القراءة، لتوسيع مدارك العقل وإنماء الروح. في الصف الرابع (المتوسط الأول) كان كتاب اللغة العربية المقرر يحتوي على نصوص أدبية ليس من السهل فهمها. ويكون الواجب المدرسي نصا من هذه النصوص يناقش ويحلل، زائد حفظ سورة من السور القرآنية من جزء (قد سمع). وأما الفرنسية فيكون واجبها المدرسي كتابة نص بإملاء الفراغ أو التمرن على قراءة نص من نصوص الكتاب المقرر بنطق سليم، يعينه لنا المدرس مسبقا. ولا ننسى طبعا عمليات الحساب نقوم بإنجازها. الحساب حصة من حصص اللغة الفرنسية.

والواقع أن هذا الواجب المدرسي، كان يثقل كاهلنا، ويحرمنا من التنفيس والاسترواح عن أنفسنا يوم السبت والأحد اللذان كنا ننتظرهما بفارغ من الصبر خلال الأسبوع. وكان من المفروض على مدرسينا الفضلاء أن ينسقوا مع بعضهم البعض لتجنب إعطاء الواجب المنزلي بهذه الكمية.

لم يكن لي بد إلا أن أشمر عن ذراعي لإنجاز هذا الواجب المدرسي. يوم السبت أخصصه لمواد العربية والأحد لمواد الفرنسية أو يكون العكس. والحق أقول أنني كنت أجد صعوبة في إنجازه صعوبة لا يستهان بها. كنت أواجه الأمر لوحدي لدرجة البكاء، ولا أحد يساعدني. وحتى حفظ القرآن كانت لي معه تجربة سيئة، تذكرني بالضرب والعنف الذي مورس علي من قبل ذلك المدرس المتهور، العديم الرحمة والشفقة.

أتذكر أن من بين النصوص العربية التي كانت تعطى لنا كواجب مدرسي لإنجازه، نص مقتبس من كتاب البخلاء للجاحظ. ومثل هذه النصوص ليست من السهل علينا أن نوفق في إنجازها، تتطلب مهارات عالية في الفهم والإدراك والتصور. وكتاب البخلاء -كما هو معروف لدى الباحثين- يتناول مواضيع أدبية – فلسفية، ينبغي أن يدرس في مستويات متقدمة، وليس في مستوى الصف الرابع أو الخامس ابتدائي، لأن مهارات تحليل ونقاش موضوع فلسفي في مستوى كتاب البخلاء لم تكن ضمن برنامج العرض التعليمي الذي تلقيناه في السنوات الفائتة، هذا من جهة.

من جهة أخرى وكما سبقت الإشارت،  أجواء عملية التعليم أجواء غيرمشجعة ومحفزة، لتقبل على القراءة وكسب المعرفة. التفاعل بين التلميذ والمدرس تفاعل سلبي عقيم، لا يتح لك الفرصة كمتلقي لتتعلم كيف تبدي برأيك وتشارك في النقاش، مشاركة تفضي إلى إخصاب الأفكار وبالتالي تحصل الاستفادة والثقافة العامة. بهذا فقط يمكن أن تكسب المعرفة التي تسمح بإنجاز أعمال أدبية – فلسفية إنجازا وافيا.

إن هذه الركائز والمهارات وحب القراءة واكتشاف كنوز المعرفة البشرية، بقيت لي مجهولة طيلة فترة الدراسة في بلد المولد. وأستطيع القول أن سنوات متابعة دراسة التعليم القاعدي والاعدادي والثانوي وحتى الجامعي كانت سنوات يغلب عليها طابع السلبية والخمول.

كانت الوالدة عندما تراني وأنا أتضارب مع الواجب المنزلي تقول: إهدأ وارأف بنفسك، الله معك، ييسر ويتولى أمرك، ضع عنك تلك الكتب والكراسات جانبا، خذ وقتك واسترح.

تقترح علي الوالدة أن آخذ فترة الاستراحة خارج البيت، أتمشى بين حقول الزراعة الخضراء وأستمتع بما وهبته لنا الطبيعة من نباتات وطيور وحشرات. فتتملك نفسي سكينة مدهشة، تمنحني الهدوء والسلام، وتفك أسر روحي من قلق واضطراب إنجاز الواجبات المدرسية.

 الطبيعة تعيد لي صوابي وصفاء ذهني عندما ترتفع أمامي أبخرة الوادي، والشمس تقذف بنيرانها عموديا على المنطقة التي أتمشى عبر حقولها.

ومنذ ذلك الوقت صار حبي وشغفي بالطبيعة يغمر قلبي ويتملك روحي لا أستطيع الفكاك منه، ألجأ إليها كلما شعرت بضيق في النفس. لم تكن عندي الكلمات الكافية آنذاك، لأعبر عما كان يخالج نفسي وعن حساسياتي نحو الطبيعة.

عن مكتب التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *