لهيب الدولار يُنغّص فرحة اللبنانيين بالأعياد.. والصيدليات بلا دواء

بشكل صاروخي، يتصاعد الدولار الأسود ملتهماً بنيرانه القيمة الشرائية لليرة اللبنانية بسعر صرف تخطّى الـ45 ألفاً للدولار الواحد.

عيدية من نوع آخر:

وفي وقت عوّل كثيرون على عائدات الحركة السياحية خلال فترة الأعياد وضخّ العملة الصعبة في الأسواق ما من شأنه إحداث صدمة إيجابية في الأرقام الاقتصادية والمالية، غير أن “عيدية” اللبنانيين كانت من نوع آخر، بانهيار تاريخي لليرة مقابل الدولار لم يُعفِ لهيبه أسعار السلع المستوردة والمُنتجة محلياً.

ولتكتمل معاناة اللبنانيين، جاء تحذير نقيب الصيادلة من “أن الارتفاع السريع للدولار، أدى إلى توقف شبه كامل عن تسليم الأدوية والحليب إلى الصيدليات، وبالتالي فقدانها تدريجياً”.

وأصبحت رحلة البحث عن الدواء وحليب الأطفال بمثابة مغامرة شبه يومية لدى اللبنانيين.

أتنقّل بين الصيدليات:

وأشارت ألين، وهي أم لطفلين لـ”العربية.نت” إلى “أنها تقضي معظم وقتها متنقلّة بين الصيدليات في الشمال والجنوب وفي بيروت لتأمين الأدوية لوالديها وطفليها”.

وقالت “أحياناً كثيرة لا أجد الدواء الأساسي Brand، فأضطر لتأمينه من الخارج عبر أصدقاء لي. لا يمكنني أن أتخيل أن أهلي قد يتخلّفون عن أخذ الدواء. المشكلة أن لدي المال لشرائه لكن للأسف مقطوع”.

إقبال على شراء الدواء:

وبالتوازي، أوضحت زينب وهي صاحبة صيدلية في بيروت لـ”العربية.نت “أن هناك إقبالاً على شراء الدواء منذ نحو أسبوع نتيجة الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار”.

وأشارت إلى “أن التهافت الأكبر هو على شراء أدوية الأمراض المُزمنة بسبب الخوف من انقطاعها، كما أن التهافت كبير على شراء الحليب، لاسيما للأطفال ما دون السنتين على رغم أن الشركات لا تُسلّمنا إلا كميات قليلة”.

توقّف تسليم الدواء وإقفال الصيدليات:

وفي السياق، أوضح نقيب الصيادلة جو سلّوم لـ”العربية.نت” “أن أزمة الدواء ليست حديثة، لكن الجديد اليوم أن عدداً كبيراً من شركات الأدوية توقّفت عن تسليم الصيدليات الدواء نتيجة الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار في السوق السوداء”.

ونبّه إلى “أن الصيدليات متّجهة إلى الإقفال القسري قريباً إذا استفحلت الأزمة، لأن المشكلة باتت أكبر من قدرتنا كنقابة وكوزارة صحة على مواجهتها”. وقال “البلد ينهار ومعه القطاع الصحي والاستشفائي والمواطن سيكون المُستهدف الأوّل”.

وحدّدت وزارة الصحة أسعار الأدوية غير المدعومة عند مستوى 41 ألف ليرة، وهو مستوى غير ثابت، أي أنه يتقلّب حسب سعر صرف الدولار.

وينتظر أصحاب الصيدليات صدور قرار جديد من الوزارة برفع أسعار الأدوية غير المدعومة، بعد أن تخطّى الدولار في السوق 46 ألف ليرة.

خسائر بسبب الدولار:

وقال نقيب الصيادلة “إن هذا الفرق بسعر وزارة الصحة وسعر صرف الدولار في السوق السوداء انعكس سلباً على شركات الأدوية، ما اضطرها إلى رفض تسليم الدواء للصيدليات، لأنهم يتكبّدون الخسائر”.

وفي مقابل النقص الكبير بأنواع عديدة من الأدوية، لاسميا المُزمنة منها بسبب توقّف الشركات عن تسليمها، تغرق السوق المحلية بالأدوية المُهرّبة من دول عديدة.

أدوية مُهرّبة من إيران وتركيا وسوريا:

وكشف نقيب الصيادلة “أننا نشهد اليوم تهريباً معاكساً للدواء إلى لبنان بعدما كان الدواء المدعوم من مصرف لنبان يُهرّب إلى الخارج. هناك أدوية مُنتهية الصلاحية دخلت لبنان أخيراً بطرق غير شرعية وهي من تركيا، سوريا وإيران”.

حلقة مُفرغة:

وشدد على “أن الأزمة تتطلّب حلاً جذرياً بإعادة الانتظام إلى المؤسسات، أي انتخاب رئيس جمهورية وتشكيل حكومة وتفعيل عمل مجلس النواب، وإلا سنبقى ندور في حلقة مُفرغة”.

دولار جمركي جديد:

ومنذ بداية شهر ديسمبر الحالي، بدأ لبنان تطبيق التسعيرة الجديدة للدولار الجمركي والتي حددت بـ 15 ألف ليرة لبنانية بدلا من التسعيرة السابقة، التي كانت توازي 1500 ليرة لبنانية، وسط مخاوف من أن يتسبب هذا التنفيذ برفع أسعار البضائع والسلع في بلد يستورد 86 بالمئة من مواده الغذائية.
ويتوقّع الخبراء أن يتواصل سعر صرف الدولار بالصعود ويتخطى 60 ألفاً مع بداية تطبيق سعر صرف رسمي 15 ألف بدءاً من شباط/فبراير المقبل بدلاً من السعر الرسمي 1500 ليرة الذي استمرّ لعقود.

وفي السياق، أوضح الخبير الإقتصادي منير يونس لـ”العربية.نت” “أن زيادة رواتب القطاع العام ساهم بشكل أساسي بزيادة الطلب على الدولار نتيجة ارتفاع بالكتلة النقدية”.

مصير فنزويلا وإيران:

واعتبر “أن ارتفاع أسعار الأدوية مردّه إلى تقلّبات سعر صرف الدولار في السوق السوداء بشكل يومي، وهذا أمر خطير جداً سبق ومرّت به دول عدة مثل فنزويلا وإيران”.

وقال يونس “المشكلة ليست بمخزون الأدوية وإنما بتسليمها للصيدليات وفق أي سعر؟ لذلك فإن تجّار الأدوية يلجأون إلى تخزينها بانتظار “استقرار” معيّن لأسعار الصرف”.

وأشار إلى “أن تأثير تقلّبات أسعار الصرف لن ينحصر بقطاع الدواء بل سينسحب إلى السوبرماركات والمحلات التجارية، إذ إننا سنشهد تقلّبات بأسعار المواد الإستهلاكية بين ساعة وأخرى”.

بعد الأعياد والمصير الأسود:

وأكثر ما يُربك اللبنانيين ويقلقهم هو مصير الدولار بعد الأعياد، عندما يعود المغتربون إلى ديارهم ويترك اللبنانيون لقدرهم.

وأوضح الخبير الاقتصادي منير يونس “أن ما ينتظرنا بعد الأعياد صعب جداً. فاحتياطات مصرف لبنان من العملات الصعبة أصبح ما يُقارب 10 مليارات دولار، كما أن الفراغ الرئاسي والمناكفات السياسية فضلاً عن غياب الإصلاحات الاقتصادية تزيد من قتامة المشهد”.

الاتفاق مع صندوق النقد وإلا…

وأضاف “اقتصادنا مريض، وإذا لم نوقّع اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي فإننا ذاهبون نحو هوة أعمق مما نحن فيها الآن، لأن الاتفاق معه من شأنه أن يضخّ دولارات في ميزان المدفوعات”.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *