كيف يفقد الإنسان المناعة ضد الإستبداد – ذ. محمد أزرقان

 كيف يفقد الإنسان المناعة ضد الإستبداد – ذ. محمد أزرقان

قراءة في مقالة “العبودية الطوعية” لأتيين دي لابواسييه Étienne de La Boétie.

كتب لابواسييه هذه المقالة في منتصف القرن السادس عشر وهو في العشرينات من عمره. بعد وفاته تولى نشر أعماله الأدبية صديقه مونتنييه إلا أن هذه المقالة لم ينشرها لأنه رأى  فيها حياكة أدق وألطف من أن تخرج إلى الجو الخشن الذي اتسم به ذلك الفصل الفاسد. أي لم يكن الجو مناسبا في ذلك العهد لترى النور وتخرج للوجود بسبب تردي الأوضاع السياسية والإجتماعية. لم تعرف المقالة طريقها إلى النشر إلا بعد نحو 270 سنة من وفاة لابواسييه.

من يقرأ هذه المقالة بوعي تاريخي يجد أن الكاتب الشاب استطاع أن يضع يده على مكمن المشكلة التي تفقد الإنسان المناعة ضد الإستبداد، وكيف تستسلم الجماهير والجماعات لنير المستبد، بل تمجيده وتقديسه. ليس في يده من السلطات والقوة والنفوذ إلا ما قدموه هم أنفسهم إليه ولولاهم ما كان شيئا مذكورا.

يخاطب لابواسييه في رسالته الإنسان المستضعف حيث يحثه فيها على النهوض من كبوته والرجوع إلى فطرته ووعيه وأنه مكرم معزز من قبل الخالق وألا يسمح لأحد أن يتطاول عليه ويسخره كعبد خانع حقير!

لم يدعو لابواسييه في مقالته الإنسان إلى استعمال العضلات والعنف لانتزاع حقه من الذين ظلموه وطغوا به، بل انتهج في خطابه طريقا آخر الغير المعتاد في ذلك الوقت، ابتكر رؤية جديدة انقلابية في مواجهة الطغيان والإستبداد. وهذه الرؤية أجدها لا تختلف كثيرا عن الرؤية التي عالج بها القرآن مرض الإستكبار والإستضعاف.

إن القرآن يشير في آيات عدة إلى الظلم الذي يلحقه الإنسان بنفسه أكثر من الظلم الذي يلحقه به الآخرون “ما أصابك من سيئة فمن نفسك” (س. النساء)، “وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون” (س. النحل)، وهذا التفسير القرآني للوضع الإنساني هو انقلابي في التصور. آدم عليه السلام عصى ربه هو وزوجه فقالا:”ربنا ظلمنا أنفسنا” (س. الأعراف) ولم يقولا: ربنا ظلمنا الشيطان. وهذا الحدث القرآني هو دليل على قدرة الإنسان على الإعتراف بالذنب والخطأ وتحمل المسؤولية والتبعة، وعدم تحميل الأخطاء والمعاصي للأخرين. وبذلك يستحق أن يكون خليفة الله في الأرض لأنه قبل التحدي وتحمل المسؤولية. وإن كنا نحن البشر لم نبلغ بعد سن الرشد، ولا نزال نتشبث بتفسير إبليس لأحداث العالم، وعوض أن نتحمل مسؤولية الفساد والظلم الذي يحدث في الأرض ننسبه إلى الآخرين.

ولابواسييه حين يشيرإلى هذا الإتجاه فإنه يبشر بأن الناس بدأوا يلتمسون قبسا من نور في مواجهة معضلة الإستكباروالإستبداد. رغم أن كثيرا من الناس إلى يومنا هذا لم يتضح لهم ما خطه لابواسييه منذ منتصف القرن السادس عشر. لا زال الألوف المؤلفة بل الملايين من البشر يرزحون تحت نير الطاغية وعاجزون عن مواجهته مواجهة قانونية كما تشير الآية في سورة الأنفال “ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

يقول لابواسييه:” فأما الآن فلست أبتغي شيئاً إلا أن أفهم كيف أمكن هذا العدد من الناس، من البلدان، من المدن، من الأمم أن يحتملوا أحياناً طاغية واحداً لا يملك من السلطان إلا ما أعطوه ولا من القدرة على الأذى إلا بقدر احتمالهم الأذى منه، ولا كان يستطيع إنزال الشر بهم لولا إيثارهم الصبر عليه بدل مواجهته. إنه لأمر جلل حقاً وإن انتشر انتشاراً أدعى إلى الألم منه إلى العجب أن نرى الملايين من البشر يخدمون في بؤس، وقد غُلّت أعناقهم دون أن ترغمهم على ذلك قوة أكبر بل هم (فيما يبدو) قد سحرهم وأخذ بألبابهم مجرد الاسم الذي ينفرد به البعض، كان أولى بهم ألا يخشوا جبروته، فليس معه غيره، ولا أن يعشقوا صفاته فما يرون منه إلا خلوه من الإنسانية ووحشيته. إن ضعفنا نحن البشر كثيراً ما يفرض علينا طاعة القوة ونحن محتاجون إلى وضع الرجاء في الارجاء ما دمنا لا نملك دائماً أن نكون الأقوى…”

من خلال هذا النص نلاحظ أن الكاتب يتعجب ويندهش لخضوع الناس وخنوعهم وتذللهم وعدم إنكارهم للطغيان!! لماذا نرى انتهاك حقوق الإنسان في العالم على يد الذين وضعوا ميثاق احترام كرامة الإنسان؟ ومنظرو الديمقراطية والمثقفون ساكتون على الظلم الذي يقترف في حق الإنسان! المخالفون في الرأي والإعتقاد يساقون زرافات زرافات إلى السجون والمقصلة، بل الشعوب بأكملها تستعبد وتمتهن كرامتها والعالم لا يحرك ساكنا! لم يسكت المفكرون وراعي الديمقراطية وحقوق الإنسان على تجاوزات وظلم أمريكا حين تستخدم حق النقض في مجلس الأمن لانتهاك حقوق الإنسان في كثير من بقاع العالم!

يقول لابواسييه في صفحة أخرى من مخطوطته:”إن لأمر صعب على التصديق أن نرى الشعب (الناس) متى تم خضوعه يسقط فجأة في هاوية عميقة من النسيان لحريته إلى حد يسلبه القدرة على الإستقاظ. لا مناص من التسليم بأن سلطان الفطرة يقل عن سلطان العادة عمليا، لنقل إذن إن ما درج عليه الإنسان وتعوده يجري عنده بمثابة الشيء الطبيعي…”

قوة العادة عندما تكون أقوى من قوة الطبيعة (الفترة) تجعل الإنسان ينسى كرامته وحريته ويسكت عن الظلم والجبروت. وهذه الغفلة لا نجد لها مبررا إلا العادة المضرة التي يخضع لها الناس طواعية كما يشير لابواسييه في النص الذي استشهدنا به أعلاه.

إن لفظة الغفلة جاء ذكرها في القرآن بشكل ملفت للغاية لا لشيء إلا لسلبيتها وخطورتها. وأنا كمسلم مؤمن بالقرآن وبالرسل والأنبياء العظام أشعر أن الغفلة هي التي تتحكم فينا وتذلنا، إنها هي التي تحكمنا، ولم نبلغ الرشد بعد لتفك عنا أغلال الغفلة ونتحرر من آثارها.

إن المشكلة الكبرى التي تواجه العالم هي إيمانه بالقوة وعفلته المطبقة عن إحقاق العدل وصيانة كرامة الإنسان. لم يدر بخلد العالم بعد ،أن العدل والحق هما القوة المستدامة وليست قوة المصالح، لأن قوة المصالح لا تفضي بنا إلا إلى الويلات والعنف والعنف المضاد، هي حلقة شيطانية تأتي على الأخضر واليابس إلم ينتبه عقلاء العالم ومواصلة جهدهم لإصلاح ما ضيعه المترفون من السفلة والمستبدين.

يحضرني في هذا المقام بلال العظيم رضي الله عنه كيف نهض من تحت أنقاض العبودية بفضل التربية التي تلقاها على يد معلم البشرية محمد ابن عبدالله (صلى الله عليه وسلم). أعاد له الرسول (ص) رشده وفطرته وأكسبه مناعة ضد الإستبداد والطغيان. واجه بلال مع ثلة من رفاقه الصحابة في مكة معضلة الإستبداد ليس بالعنف والغدر والمؤامرات وإنما بالتي هي أحسن والصبر على الأذى والتنكيل الذي لحق بهم على يد قريش. كانوا عراة حفاة ضعفاء ولكنهم كانوا مؤمنين أشد الإيمان بالتغيير وصنع مجتمع يتساوى فيه الناس أمام القانون ومجتمع ليس في حق الفيتو أي اغتيال القانون.

كان ديدنهم هو تجدير لقانون “لا إكراه في الدين” في النفوس لأن الشيء الذي يفرض على الناس بالإكراه فهو فاسد وضد الحرية والفطرة التي فطر الله الناس عليها. القرآن لا يعترف بالإيمان الذي يأتي بالإكراه “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها” (س. البقرة). هذه الآية تشكل الميثاق والعقد الإجتماعي، على أساسه تبنى مجتمعات الرشد. تشير الآية إلى أن الذي يأتي بالإكراه هو الغي، والذي يأتي بلا إكراه هو الرشد وهو الذي يأتي بالإقناع، والطاغوت يأتي بالإكراه، لذلك أمر الله بالكفر بالطاغوت وعدم الإيمان به.

وإن صح هذا القانون فمن باب أولى رفع الإكراه من جميع الأمور التي تهم الإنسان وخاصة السياسة التي تكره الناس على ما لا يعتقدون. والسياسة على هذه الشاكلة ليست بسياسة راشدة، وإنما بغي واستبداد، لذلك سمي الخلفاء الذي جاءوا بعد الرسول (ص) بالخلفاء الراشدين لأنهم لم يتولوا أمر الرعية بالإكراه ولم يورثوا أحد تولى السلطة بعدهم كما فعل أمراء بني أمية وبني العباس.

إن نهج بلال والصحابة في مقارعة الإستبداد والطغيان هو النهج نفسه الذي دعا إليه لابواسييه في مقالته. لقد حق للابوسييه أن يتعجب ولو كان حياً لكان عجبه أشد من صمت العالم وكان سيتعجب من مثقفي القرن الواحد والعشرين الذين لا يسعون إلى الوقوف في وجه المستبدين والطغاة ويأخذون بيد المستضعفين، يعلموهم كيف يمكن لهم أن يصلوا إلى حقهم من العدل بين الناس بسهولة ويسر.

إن أفكار لابوسييه العاشق للحرية حية باقية توقضنا من كبوتنا وتعلمنا كيف نواجه الإستبداد والتخلص منه بطرق شرعية سننية لا انحراف ولا زيغ فيها. وهذا الطرق جربها الأنبياء والرسل معلمو البشرية فأتت أكلها ولو بعد حين “ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت”. (س. النحل)

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *