في ذكرى رحيل المجاهد عبدالكريم الخطابي – ذ. محمد أزرقان

 في ذكرى رحيل المجاهد عبدالكريم الخطابي – ذ. محمد أزرقان

ذ. محمد أزرقان

كان الانتصار الذي تحقق للمجاهد الخطابي في معركة أنوال والانتصارات الأخرى المتلاحقة على المستعمر الاسباني لم ترضي طبعا المستعمر والمتآمرين معه من أصحاب المصالح، والدليل على هذا أن الطرف المهم وهو الخطابي، استثني من مفاوضات وثيقة الاستقلال مع المستعمر، لأن المجاهد الخطابي كان له رأي مبدئي حيال هذه المفاوضات.  وكما هو معروف في التاريخ نفي من بلده إلى مصر.

ومن مكان إقامته بمصر كان يبعث رسالة تلو الرسالة، يحذر فيها حكام البلاد الجدد من مخاطر وحيل المستعمر ومن صار على شاكلته. وأورد هنا رسالة من تلك الرسائل التي كان يراسل بها رواد الاستقلال:

من محمد عبد الكريم الخطابي إلى عبد الرحيم بوعبيد

باسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله،

الحمد لله وحده وبيده الحول والقوة،

حضرة الأخ السيد عبد الرحيم بوعبيد…

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد.

فلقد حاولنا مكاتبتكم مرارا قبل هذا الوقت ولكن ظروفا منعتنا عن تحقيق الأمنية التي طالما فكرنا فيها وأهم تلك الظروف عدم معرفة عنوانكم الرسمي، وعدم وجودكم في المغرب حيث كنتم في جولة خارج البلد استغرقت عدة أشهر… على ما نعلم..

والآن وبما أن الأحداث تطورت سراعا في بلادنا رأينا من الواجب أن نفاتحكم ونكاتبكم لنبين لكم وجهة نظرنا في المشاكل الهامة التي تهمنا جميعا وخصوصا حول المؤامرات التي تحاك ضد البلاد والتلاعب بمصالح الشعب بمجاملة العدو والتسويف في تنفيذ مطالب الأمة المغربية العادلة..

ونحن لا يخامرنا أدنى شك في أنكم قد لمستم بأنفسكم مدى وصلت إليه البلاد من التقهقر والفوضى وعدم الاستقرار والانحلال والفساد الذي استشرى في بلادنا وأدى بها إلى هاوية سحيقة لا قرار لها. فبينما كان الشعب المغربي ينتظر تغييرا في الحالة ليتنفس الصعداء وليخرج من الاستعباد إلى الاستقلال ومن الاستعمار إلى الحرية والكرامة ولينقد نفسه من الجوع والمرض والجهل ليساير ركب التطور في التقدم والعرفان.. بينما كان ينتظر ذلك فوجئ بارتمائه في وهدة أخرى أشد وأنكى وأبشع مما كان فيه من قبل.. إذ أضحى مستعمرا مستعبدا جائعا منحلا تسوده الفوضى ويهدده الدمار والخراب.. وأصبحت البلاد محتلة من جديد احتلالا مباشرا كاملا شل جميع الحركات وبتر كل الآمال والأماني..

إذ رأى بعينيه أمواله تنهب، وخيراته تسلب، وأعراضه تنتهك، وتجاربه تحتكر، واقتصادياته تموت ورأى فلول جيش الاحتلال تسيطر على جميع النقاط الاستراتيجية في طول البلاد وعرضها مزودة بسلاح فتاك كدسته في الثكنات والقواعد والمخازن تنتظر الفرص لتنقض من جديد لابتلاع البلاد ابتلاعا لا وقفة بعدها أبدا..

رأى الشعب هذه الفلول تصول وتجول وتقتل وتشرد وتجلو القبائل بكاملها عن القرى والمداشر لا تكترث باحتياجات من يزعم أنه يسهر على أمن البلاد وسلامة العباد.. بل سائرة في تنفيذ خططها الإبادية تحت سمع “12 مليون مغربي” وبصر الجماعة الحاكمة التي تساهم هي بدورها في إبادة البقية الباقية من أبناء الأمة المغربية بالإضافة إلى الجيش العر مرم الذي جثا على إرادة البلاد من أصغر مكتب إلى أعلى مركز في المغرب الذي نزعم أنه بلاد مستقلة..

حدث هذا.. ونحن ساكتون صامتون وفينا العلماء والزعماء والمفكرون والعقلاء والشجعان سبق لهم أن ضربوا الرقم القياسي في التضحية والفداء في أزمان غابرة جعلتنا نحتل مكانتنا في تاريخ الرجال. واليوم استولى علينا اليأس وأصبحنا لا نحرك ساكنا و لا نعلم ما يحاك ضدنا ويجري حولنا.. وكلما برزت بادرة أمل في التحرك من جانب من تهزه الغيرة على البلاد وأهلها يجد نفسه أمام عصابة الحكم تسرع إلى اختلاق أساليب التدجيل وأكاذيب التضليل.. وما مأساة اتفاقية (إكس ليبان) المشؤومة التي حطمت آمالنا وقوضت أعمالنا وحكمت علينا بالذل والهوان لطائفة من لصوص فرنسا الانتهازيين وعصابة الإجرام من أبناء أمتنا الانتفاعيين.. عنا ببعيد..

وبعد مرور خمس سنوات عن هذه الاتفاقية المشؤومة ذاق خلالها المواطنون أهوالا وآلاما وفواجع ونكبات حيث سمح فيها للعدو والمحتل بالبقاء في البلاد ليصول ويجول ويدمر ويقتل الأبرياء.. بعد هذا ظهرت مأساة أخرى كذيل من ذيول سابقتها وأعلن عنها باتفاقية “انتهاء مشكلة الجلاء” ولا شك أن أثر إعلان هذه الاتفاقية ستكون نتيجتة حتما هو تثبيت الحالة التي قاسينا منها ما ذكرناه إلى أجل غير مسمى أو إلى الوقت الذي يدرك فيه الشعب المغربي واجبه فيعمل على إنهاء هذه الحالة المشؤومة المزرية.. ومتى…؟ الله أعلم…؟

فهذه قضية الجزائر التي ترتبط ببلادنا ارتباطا وثيقا، وتمسنا مسا مباشرا نرى فيها المساعي تبذل ولكن ليس لتشجيعها ومساعدتها ومعاونتها بل للقضاء على هذه البلاد المنكوبة الجريحة والرجوع بها إلى ما كانت عليه من قبل.. رغما عن الجهود التي بذلها المجاهدون الأحرار.. ورغما عما أصيبت به البلاد من الرزايا والبلايا في الأنفس والأموال والأعراض.. وإذا تمت ونجحت هذه المحاولة الاستعمارية فلا شك أن الزمن سيعود بهذه البلاد المجاهدة إلى الوراء ما يقرب من 130 سنة…؟ وهذه تونس يلعب فيها أذناب الاستعمار دورهم أيضا لنفس الغاية.. أي لتأييد الاستعمار الفرنسي في شمال افريقيا كلها.. كل هذا يمر بنا ونشاهده ونسمعه.. فلا نحرك ساكنا بل نكتفي بالبكاء والعويل والنحيب.. مع أننا قد جربنا البكاء والاحتجاج مدة طويلة فلم نرى أية نتيجة أو ربح كسبناه من هذا العويل ومن هذا البكاء. إذ كانت أعمالنا بمثابة ما يناله الأيتام على موائد اللئام.. أي لا شيء.. فهل آن لنا أن يكون هذا التاريخ الأسود عبرة وذكرى.. فنغير موقفنا ونقوم بواجبنا العملي مقتدين بالأمم الحية التي قام فيها رجالها بما عاد على الجميع بالنفع والصلاح.. ونترك الجبن جانبا.. ونتسلح بالشجاعة الكافية لتكسبنا عمليا وواقعيا ما نسعى إليه ونحمل المسؤولين على تغيير هذا الطريق الذي سلكوه أو نطالبهم – ولنا الحق كل الحق – بالبعد عن هذه المسؤولية التي لم يحسنوا التصرف فيها داخل مطاق اختصاصاتهم مع إخوانهم وفي بلادهم فضلا عن أن يقوموا بواجبهم نحو الأمم والشعوب المجاورة لنا التي تتطلب منا ظروفهم الاستثنائية مد يد المساعدة الفعالة الإيجابية.. أمامنا الآن ” الكونغو” الذي أصيب بنكسة قوضت آماله وأهدافه وهدمت أمانيه.. ومع الأسف كان المسؤولون في بلادنا مساهمين مساهمة سافرة في هذه النكسة..

(…)

لقد كان من المنطق السليم أن نعمل لإجلاء الجيوش المحتلة عن بلادنا حتى نطهرها ونحررها وبعد ذلك يتسنى لنا أن ننجد إخواننا المظلومين بإفريقيا.. وكان من السهل جدا على المسؤولين أن يجلو الجيش الفرنسي من الإدارة المغربية ومن الشرطة والأمن ومن الجيش، لكي نتفرغ لمساعدة إخواننا الذين يئنون تحت نير الاستعمار الغاشم مثل الكونغو.. فماذا منع هؤلاء المسؤولين يا ترى…؟ ولماذا أسرع هؤلاء المسؤولون إلى إرسال جيشهم إلى الكونغو، وكيف كانت النتيجة.. لماذا نشطوا.. وما سبب هذا الإسراع إلى المساهمة مع القوات الأممية بالكونغو.. هل أدى إلى نتيجة…؟ أو ليست هذه أوامر صدرت من الخارج لتشغل الفكر العام في بلادنا وتظهرها كدولة مستقلة تستطيع أن تنجد غيرها.. وتستطيع أن تساهم في إعادة الأمن إلى البلاد التي تدهور فيها الأمن والاستقرار…؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى لتحقق بهم هذه الدولة الآمرة أمنيتها وبغيتها ومصالحها الشخصية…؟ سارع المغرب لنجدة الكونغو كأنه فرغ من جميع مسؤولياته نحو بلاده.. كيف نسمي هذا…؟ بالله عليكم.. أنسميه خيانة.. أو جبن.. أو تلاعب.. أو استهتار…؟ أو موت الضمير…؟ أفلم يئن لنا وقت القضاء على هذه الحيل المكشوفة التي يستعملها الاستعمار ببلادنا بواسطة أذنابه وأبواقه وأياماه…؟ كيف يذهب ” الكتاني” قائدا على جيش مغربي إلى بلاد أصيبت بالاستعمار وقد ترك في بلاده استعمارا غاشما ظالما عنيدا جبارا متكبرا…؟ كيف يذهب إلى إنقاذ غيره وبيته يعج بقوات الاحتلال محتلا منهارا موبوءا بجراثيم الاستعمار ومكروبات المستعمرين…؟ كيف ننقذ الجار ونحن أضعف من أن ننقذ أنفسنا…؟ ما هذه المهازل…؟ ما هذا الاستهتار…؟ ما هذا العار…؟

وهكذا.. فما كاد الاستعمار أن يفرغ من مؤامرته التي أحدثت النكسة في دولة الكونغو الناشئة حتى برزت لنا قضية “موريطانيا” لينشغل بها المسؤولون في بلادنا وليتظاهروا بالاهتمام بها.. مع أننا في الهم سواء نقاسي مثل ما تقاسيه موريطانيا المنكوبة من ظلم الاستعمار وهوان العملاء.. وبطش الأجراء..

لقد ركن “بن دادة” إلى الاستعمار وشغل منصب رئيس الجمهورية الإسلامية المضحكة ليكون ركيزة وبلاء وعونا للظالمين الغاصبين على المغرب وعلى البلاد المجاورة الأخرى.. المصابة بالاستعمار الفرنسي العنيد.. لحد الآن لم نفهم الدواعي التي أدت بالمغاربة إلى السكوت عن هذه الألاعيب نقول كيف سكت المسؤولون في المغرب ومنهم أنتم أيضا، إذ نحن نعبر عن المسؤولين برجال المغرب الأحرار الذين أدركوا وفهموا ما عليهم من حقوق وواجبات نحو بلادهم وأمتهم.. ولا أعني السؤولين عباد المناصب والكراسي..

لقد تماديتم في الاستنكارات والاحتجاجات حتى أصبحت لغة العاجزين وسياسة الجبناء مقته النفوس، وملته العقول.. لماذا وقفتم مكتوفي الأيدي كأنكم مسحورون بالخيالات والأوهام. لماذا لم ننهض جميعا للعمل من أجل طرد الفرنسيين المخذولين…؟ إلى متى سنظل في هذا الإهمال وهذا التواكل…؟

إنني أرى أن الذين يتظاهرون بأنهم غير راضين عن الحالة الراهنة والوضعية الحالية يسلكون نفس الطريق مع فارق أولئك يسيرون في فلك الاستعمار ويهتمون بممالأة الاستعماريين ويعملون جديا من أجل بقاء الاستعمار في البلاد.. وهؤلاء تقاعسوا أو تجاهلوا مسؤولياتهم وتغاضوا عن تحقيق المطالب التي تنادي بها الأمة وفهمها هؤلاء ولكنهم لا يعملون.. ولماذا.. لست أدري…؟! يجب أن نعلم الكلام والاحتجاجات والتصريحات والتذمر لا يفيد ولا ينفع.. ولا يجدي.. وأن الأمر أسهل مما يحسبون له ألف حساب.. ففرنسا نفسها يوجد فيها أحرار يقاسون ويعانون من أجل انحراف المسؤولين في حكومتهم.. وبالأخص لما تحققوا من خروج ديجول عن جادة الصواب التي لا تتفق ومصلحة فرنسا الحقيقية.. ورأوا هؤلاء الأحرار أن الظلم يجب أن ينتهي.. فتعرضوا بذلك للإذايات والإهانات والنفي والتشريد والمحاكمة والسجن، كل ذلك خدمة لأمتهم ولأنفسهم.. لأنهم رأوا وهم مفكرون عقلاء أحرار أن الظروف العالمية قد تغيرت تماما.. وأن فكرة التحرر تزحف كل أرجاء العالم… وهذا كله يدعونا نحن المغاربة وأهل شمال إفريقيا كلهم إلى التفكير في العمل الجدي.. حتى لا نكون عرضة للمهازل.. وحتى نتخلص من هذا العار المشين الذي ألحقناه بأنفسنا لأنفسنا.. ونتخلص من الحالة المزرية التي صيرتنا في مؤخرة الركب الذي يجب أن نكون في مستواه..

إنه كان في إمكان المغاربة أن يحدث لديهم رد الفعل للاستفزازات التي يقوم بها القراصنة الذي استعارهم الاستعمار من أشباه “ليجيون إطرانجير” (اللفيف الأجنبي) الصعاليك المرتزقة الذين يعبثون في الأرض فسادا.. ورد الفعل هذا.. يجب أن تقوم به القبائل التي تشرد على يد هذه الفئة المرتزقة.. وفي استطاعة هذه القبائل أن تردها على أعقابها خاسرة خاسئة وتعاملها بالقوة التي تستحقها.. لو وجدت هذه القبائل من ينشطها ويزرع فيها روح التضحية والمقاومة.. هذه الروح التي لا يجب أن تعيش أية أمة بدونها..

إن الحوادث التي تقع في ناحية وجدة والتي وقعت أخيرا في ناحية موريطانيا والاستفزازات المتكررة التي تقوم بها جماعة المرتزقة في نواحي جماعة فجيج كان من السهل جدا القضاء عليها.. لو كانت هذه القبائل أرشدها المرشدون إلى أن استعمال القوة هي الدواء الوحيد لردع أهل الفساد… وأن الهروب من أهل الفساد لا ينقذ الموقف بل العكس يشجع الصعاليك على متابعة الفساد فإلى أين يهربون…؟ يهربون من الشرق إلى الغرب…؟ والغرب فيه قوة أهل الفساد…؟ ويهربون من الجنوب إلى الشمال.. والشمال فيه قوة أهل الفساد…؟ أي قوة الاستعمار.. فإلى أين نهرب…؟

نهرب من النار.. إلى النار…؟ نولي الأدبار من العدو المحتل.. لنجد أمامنا العدو المحتل…؟ كفانا من الهروب وكفانا من التواكل والإهمال.. علينا أن نعمل كرجال ونترك شعار النساء والأطفال وهو البكاء والعويل..

محمد عبد الكريم الخطابي

بتاريخ 11-10-1960

حصل للمستعمر ما كان يتمنى من امتيازات سياسية واقتصادية وثقافية. سياسيا، نصب حكومة لإدارة البلد بقبضة تعسفية مرعبة. اقتصاديا، روح اقتصاد البلد تولاه عصابة مستغلة مفسدة لا تسمح لأحد أن يقترب بهذا الاقتصاد ليساهم بالاستثمار فيه. وأما ثقافيا، فالطامة الكبرى، بحيث استحوذت الثقافة الفرنسية على عقول أفراد الشعب فمسخت شخصيته أشد المسخ، وصار الانسان المغربي مستعبدا، ضعيف الروح والعقل، يخاف من نفسه ومن محيطه، ضائعا تائها لا يدري ما يراد به.

وفي خضم هذه الأجواء المجحفة سياسيا والأجواء المغبونة اقتصاديا والتفسخ الروحي ثقافيا، كان نصيب منطقة الريف نصيبا كبيرا من الغبن الاقتصادي والبنية التحتية العتيقة كما تركها الاستعمار الاسباني. وعلى سبيل المثال، الطريق الرابط بين مدينة تطوان والحسيمة، أنشأه الاستعمارالاسباني لأغراض عسكرية، وبعد الاستقلال اتخذته وزارة الأشغال العمومية طريقا عموميا رئيسيا لنقل المسافرين والبضائع، بعدما أدخلت عليه بعض التعديلات والاصلاحات البسيطة، كرصفه بالإسفلت. وأما مراكز الصحة والتعليم وفرص الشغل والعمل فالحديث يطول.

سياسيا، فهي المنطقة المزعجة والمقلقة لحكام الجدد، فكان لا بد أن تنتهج معها سياسة الترهيب والترغيب أو سياسة شراء الهمم، وبالتالي جعل منهم نخبة فاسدة مفسدة، وأما المتمردون عن الطاعة والخارجون عن القانون فمصيرهم المتابعة والحبس والنفي والتشريد وسحق إنسانيتهم وكرامتهم، فتحولت الدولة الناشئة المستقلة إلى دولة (بوليسية) تقمع حرية المواطن في الرأي والاعتقاد والعيش الكريم.

أتذكر جيدا قصة الوالدة، السيدة البارعة في قص القصص، عندما كانت تروي لنا أحداث لجوئها إلى جبل (حمام)، فارة بروحها مع أبناءها وأخيها من هجوم جيش التحرير عام 1959م. كان هذا الحدث من أبشع ما عناه أهالي المنطقة، وهو يجسد ما كان يضمره الحكام الجدد للمنطقة.

إن ما يقال عن منطقة الريف يمكن أن يقال أيضا عن منطقة من مناطق بلاد المغرب التي عانت التهميش والفقر والجهل والأمية. إن نظرتي للإنسان نظرة كونية وليست نظرة ضيقة شعوبية عرقية، كما يعتقد بعض دعاة الأمازغيين والعروبيين ويثيرون معارك حول العرق واللغة.

لم يكن المجاهد الخطابي لا عروبيا ولا أمازيغيا بمفهومها الأيديولوجي الضيق. كان الرجل يناضل ويجاهد من أجل كرامة الانسان المغربي في الحياة وحقه في الوجود. وهذا يبدو واضحا من رسالته التي استشهدت بها.

إن ما يحتاجه الانسان المغربي، بما فيه الانسان الأمازيغي، ليس اللغة بالدرجة الأولى ولا السياسة، وإنما معرفة ذاتيته وكرامته المستمدة من ثقافة راقية تكون بمثابة وعاء لنهضته وحضارته. فعلى كتاب الأمازيغ والعرب في بلد المغرب أن يتنبهوا لهذه القضية الحاسمة في توعية وتوجيه الشعب الوجهة الصحيحة السليمة لغد أفضل. فالمشكلة إذن هي مشكلة الانسان المغربي المعذب في جبال الريف وجبال الأطلس والجنوب والمناطق الأخرى. المشكلة يا ساداتنا المثقفين هي مشكلة تدهور قيمة وكرامة الانسان في الطبقات الدنيا، وسقوط المرأة بفعل الجهل والجوع، وهزال الطفولة بفعل سحق كرامته واستغلاله وجهله. طالما أن هذه المشكلات باقية لا تحل… وطالما أن الاختناق الاجتماعي لا يزال ممكنا في هذه البقاع والمناطق، أو بتعبير آخر وبنظرة أوسع شمولا أيضا، طالما أنه سيوجد على الأرض جهل وبؤس، فإن الكتب التي تعالج فيها مثل هذه القضايا لا يمكنها أن تكون بلا فائدة. ثم أزيد هنا وأستعير قول الكاتب (دو هامل) في توزيع المسؤوليات في بلد معين:”وعليه فإن الكاتب إذا أراد أن يؤدي رسالته كما ينبغي، فإنه يجب عليه أن يبقى حرا منعزلا، أو بعبارة أخرى لا منتميا”.

فالكاتب المخلص الذي يريد أن يعالج مشاكل الانسان المغربي، بحيث تفضي إلى توعيته بذاتيته وكرامته، وبالتالي رفع من ميزاته الاجتماعية ومعنوياته الروحية، ينبغي أن يكون لا منتميا إلى عرق أو حزب أو جماعة أو مذهب.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *