ذكريات المدرسة.. قصة مدرس – ذ. محمد أزرقان

 ذكريات المدرسة.. قصة مدرس – ذ. محمد أزرقان

تمثل ذكريات المدرسة مرحلة من المراحل المهمة في حياتنا، نستعيدها ونتصفحها بشكل عفوي لا تفسدها شوائب ولا مصلحة ولا خبث، تبقى عالقة في أذهاننا نستذكرها  حتى لو بلغنا مائة سنة.

وفي إطار استعادة هذه الذكريات التي لا تنسى أتذكر مدرس  اللغة العربية وطريقة أداء عمله وتحفيز الطلاب على اكتساب المعرفة.

كان الرجل يوجهنا إلى قراءة القصص والروايات، ويحثنا على مناقشتها وتداولها بيننا لتنمية اللغة وآدابها والثقافة العامة بمنهجية خاصة تختلف عن المنهجية المعتمدة.

أتذكر هذا المدرس الفاضل كلما تناولت قصة أو رواية من روايات الأدب العربي والعالمي بالقراءة. أتذكره بخير لجديته ونضاله من أجل تنمية عقول الأجيال بالمعرفة، في زمن قل فيه ما نجد مثل هذا الاهتمام، وحمل هم التخلف الذهني للمجتمع. ويصح بحق أن يلقب بمدرس اللغة العربية وآدابها، ويكون مثالا لزملائه المدرسين.

لم ينجو من تعرضه لضغوطات وأذى من قبل إدارة المدرسة والزملاء، لا لشيء إلا أنه يخلص في عمله ويحمل هم المعرفة ونشرها بين طلابه. هكذا كانت الأخبار المتداولة بين الطلبة حول هذا المدرس والمضايقات التي كان يتعرض لها، بزعم أنه لا يلتزم بالخطة التعليمية التي رسمتها الإدارة، مثله في ذلك كمثل الطائر الذي يغرد خارج السرب.

يقول المفكر خالص جلبي في كتابه: سكولوجية العنف واستراتجية الحل السلمي (ص. 112-113):” فلو أراد فرد أومجموعة صغيرة أن تغير ما بنفسها، فقد يحصل العكس، تتعرض للسحق تحت قانون (الدجاج الجريح) الذي ذكره المؤرخ البريطاني توينبي، من أن الخارجين عن الإنضباط الإجتماعي، يصبحون مثل الدجاجة الجريح، فتأتي بقية الدجاجات، وتنقر محل الجرح النازف حتى الموت! ولذا كان المجددون والأنبياء، والمصلحون الإجتماعيون يعيشون حياتين: داخلية غنية خصبة، مليئة بالمعاني والقيم، وأخرى خارجية صعبة وغير مريحة، في حين أن أصحاب العقارات والملايين، يعيشون بالوضع نفسه ولكنه مقلوبا، لأن المال عندهم يسبح بين الحسرة والقلق، الحسرة على المزيد، والقلق على ما هو موجود، لذا كان على عاشقي الحكمة ومحبي العلم، ألا يكنزوا لهم كنوزا على الأرض، حيث يفسد السوس والصدأ، وينقب الناقبون ويسرق اللصوص!”

مشكلة العرب والمسلمين هي الغفلة المطبقة عن قوانين التغيير والعمل على استجلائها ودراستها وفهمها. فالتاريخ لا يعمل بشكل عشوائي، وإنما يخضع للقانون ينتظمه (السنة بتعبير كتاب القرآن). ففهم هذه القوانين هي لب المشكلة المعرفية التي تعترض طريقنا إلى الخلاص الروحي والعقلي. وإن لم نسعى جادين وملحين لفهمها، وبالتالي تسخيرها لخدمة توجهاتنا وكرامتنا، فسنظل – دون شك – نئن تحت وطأة الأمم الأخرى، يسخروننا لمصالحهم ويسخرون منا.

لا بديل ولا حل  لمشاكلنا النفسية والاجتماعية، إن لم نكشف سنن الله في الأنفس والمجتمع. ولفطة “السنة” ذكرت في كتاب القرآن بشكل ملفت للغاية لأهميتها في البناء المعرفي للإنسان. العالم بأسره تحكمه قوانين وسنن، لا تتغير ولا تتبدل بنص القرآن:”فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا”.

فعلى الإنسان العمل المتواصل والكدح وبذل الجهد في سبيل كشف هذه السنن وجعلها في خدمته وقيد تصرفه وهي بالمجان، في متناول أي إنسان كان..

 يجب أن يعلم المسلمون علم القين أن العذاب المسلط عليهم، هو من عند أنفسهم ومما كسبت أيديهم “وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير” (س. الشورى). فهو قانون عام، يسري على الجميع، لا فرق عنده بين المسلم، أو اليهودي، أو النصراني، أوالعربي، أو الأمازيغي…

يحضرني في هذا المجال مقدمة المنظر الاجتماعي (مالك بن نبي) لكتاب: حتى يغيروا ما بأنفسهم، تأليف جودت سعيد، يقول فيها:” إن كل قانون يفرض على العقل نوعا من الحتمية، تقيد تصرفه في حدود القانون، فالجاذبية قانون، طالما قيد العقل بحتمية التنقل برا أو بحرا، ولم يتخلص الإنسان من هذه الحتمية بإلغاء القانون، ولكن بالتصرف مع شروطه الأزلية بوسائل جديدة، تجعله يعبر القارات والفضاء كما يفعل اليوم. فإذا أفادتنا هذه التجربة شيئا، إنما تفيدنا بأن القانون في الطبيعة، لا ينصب أمام الإنسان الدائب استحالة مطلقة، وإنما يواجهه بنوع من التحدي، يفرض عليه اجتهادا جديدا للتخلص من سببية ضيقة النطاق… وبذلك تتغير وجهة النظر في سير التاريخ، إذ إن المراحل التي تتقبل أو لا تتقبل التغيير – حسب طبيعتها – تصبح مراحل قابلة كلها للتغيير، لأن الحتمية المرتبطة بها، أصبحت اختيارا يتقرر في أعماق النفوس”.

يشيرهذا النص (لابن نبي) إلى أن الكون يخضع لقوانين، وهي قابلة للاكتشاف والسيطرة عليها، كما حدث مع الجاذبية على سبيل المثال، وكذلك النفس الانسانية لها قوانينها التي تحكمها وهي قابلة للتغيير أيضا مع مراعاة الاختلاف مع المادة. وكتاب القرآن كان واضحا وجليا في مجال تغيير ما بالنفوس:”إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. آية من سورة الرعد صريحة في مسوغاتها، والتي تشكل بحق البناء الأساسي والفكرة الأصيلة في المنظومة المعرفة الاسلامية.

يرجع الفضل إلى ابن خلدون وله السبق في اكتشاف هذه القوانين الإجتماعية، عندما سطر بحثه في التاريخ، خلص فيه إلى أن للتاريخ قانون يسيطر على توجيه الأحداث بقوله:”فإن للتاريخ في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات، ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق”.

“هذا الإكتشاف المدهش الذي توصل إليه ابن خلدون يعتبر انقلابا نوعيا في تاريخ الفكر كله، فهو نزل إلى الحوض التاريخي يقرأ الأحداث ويحاول فهمها، ليس كقطع ممزقة ونثارات مرمية وحوادث لا يجمعها خيط أو ينتطمها قانون، بل كواقع بشري يخضع لسنة الله في خلقه، فاكتشف قانون قيام الدول وموتها، كما حلق إلى مرتفع شاهق، فلمح بومضة عين انتهاء مسيرة الحضارة الإسلامية، وأهمية هذه الفكرة أنه أدخل الفهم السنني إلى مجال التاريخ”. (مقتبس من كتاب: سيكولوجية العنف واستراتجية الحل، ص. 107، خالص جلبي).

أحسب أن مدرس اللغة العربية كان يسعى جادا وجاهدا في خلق الأجواء الملائمة للقراءة وإتاحة الفرصة لممارسة النقاش وتبادل الأفكار والنقد والنقد المضاد.. كلها آليات تجعل الطالب يعي ذاته وينمي روحه ويكتشف مواهبه، بل هي آليات تفضي به إلى اكتساب قوانين المعرفة التي تغير ما بالنفس والمجتمع.

وأما المعرفة لأجل الحصول على مكانة اجتماعية لمصلحة ما أو التقرب من أصحاب العظمة والسلطة، فهي ليست معرفة تغييرية ولن تكن كذلك أبدا. كل منظومة معرفية لا تنتج العقل الذي يستطيع أن يعبر عن أفكاره تعبيرا واضحا، ويفصح عنها عبر القنوات المتاحة بدون خوف من الاتهام بالزندقة والهرطقة، هي منظومة فاسدة لا تنفع الناس، لا تقوى على تغيير ما بالنفس والمجتمع ومسايرة التطورات والمستجدات.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *