دور الحكاية الشعبية في تنمية خيال الناشئة وإثرائه – ذ. محمد أزرقان

 دور الحكاية الشعبية في تنمية خيال الناشئة وإثرائه – ذ. محمد أزرقان

عندما كنت صغيرا كانت الوالدة (يرحمها الله) تقص علينا حكايات خرافية خيالية يلذ سماعها ولا نسأمها، قصص مثل: الذئب وكياسة القنفد، أو الغولة العجوز، أو الأميرة وفردة الحذاء…

ولعل بإمكاننا أن نتصور تأثير هذه القصص على المخيلة والذاكرة، حين كانت تقصها الوالدة علينا، نحن أبناءها، في ليالي فصل الشتاء الباردة.

وهنا أضيف أن الوالدة كانت بارعة في فن قص الحكايات، إذ كانت تشدنا إليها ونحن متحلقون حولها، ننصت في غاية من الهدوء والصمت. كانت هذه مدرستي الأولى، فيها تكونت مداركي.

تحتل الحكاية الشعبية في أدب الطفل مكانة متميزة لا ترقى إليها ألوان الأدب الأخرى، فهي تشكل مصدرا هاما من مصادر تنمية خيال الناشئة، ومجالا خصبا وواسعا أصبح يتجه إليه عدد كثير من الأدباء والكتاب، يستمدوا منه موضوعات متنوعة زاخرة بمضامين وأفكار مختلفة، يقدمونها للطفل حيث يجد المتعة والتسلية والتربية.

قرأت في هذا المجال كتبا مختلفة، خاصة منها كتاب حكايات أمي الاوزة للأديب الفرنسي (شارل بيرو، 1628 – 1703) الذي يعتبر رائدا في مجال الحكاية الشعبية والحكاية الخرافية.

كتاب (حكايات أمي الاوزة) من كلاسيكيات الأدب الأوربي الموجه للناشئة وهو من الكتب التي اهتمت في تاريخ جد مبكر بجمع الحكايات الشعبية أو ما يعرف في التراث الأوربي (بحكايات الجنيات) وبنقلها من التقاليد الشفاهية إلى الأدب المكتوب.

كتب شارل بيرو هذا الكاتب وجمع نصوصه بأسلوب يجذب القراء من مختلف الأعمار لما يجدون فيه من فتوة للسرد والحكي وعذوبة للغة وانتشار باذخ للخيال.

لقد أحيت قصص هذا الكتاب في نفسي مذكرات الطفولة عندما كنت أجلس في أيام فصل الشتاء أستمع إلى تلك السيدة (والدتي)، وهي تقص علينا حكايات بأسلوب أمازيغي جذاب رائع ومشبع بالخيال.

كانت (يرحمها الله) تأخذ وقتها في سرد أحداث حكاياتها، تبدأ ب (كان ما كان ..) فتغوص بنا عبر أزمنة وأحداث لا يصدقها العقل، تقف عند المحطات المهمة للحكاية لتعقب عليها وتربطها بالجوانب الإنسانية الأخلاقية، كمثل قولها: يجب على الانسان أن يحب الخير لأخيه الإنسان ويكف عن الشر ويعطف على المعوزين وذوي الحاجة.

لم يكن قصد الوالدة  قص هذه الحكايات الخرافية علينا من أجل السرد والتسلية فقط، إنما قصدها الوقوف على البعد الإنساني والجانب الخيري للقصة كمساعدة المحتاجين والتصدق على الفقراء والمساكين.

إني أتصور لو أن الوالدة عاشت في سط يهتم بالحكي الشفاهي لسارع كتاب أدب الناشئة إلى تسجيل وتدوين حكايتها وقصصها في كتبهم. لم تعش الوالدة للأسف في مجتمع  يقدر ويهتم بنوع هذا الأدب الشفوي للناشئة، وقد تكونت مداركي الأولى في رحاب هذا الفن القصصي التي كانت الوالدة تحكيه لنا بأسلوب جذاب ماتع! !!

رافق هذا الأدب في صيغته الشفوية فجر جميع الثقافات واعتبارا من القرن السابع عشر  حوله لفيف من الكتاب الفرنسيين إلى جنس أدبي مكتوب قائم بذاته وله أساليب ومناخاته وقواعده، ولئن كان أغلب رواده الكبار وبخاصة (شارل بيرو) الذي نحن بصدد الحديث عن كتابه، و(ماري كاترين دونو)، قد أوقفوا عليه جل نشاطهم الإبداعي مكتفين بالكتابة للناشئة، فإن العديد من كبار كتاب الأجيال والقرون اللاحقة قد خضعوا لجاذبية هذا الجنس من الأدب، فخصوه بأثر أدبي أو أكثر أضافوه إلى إبداعاتهم المنضوية تحت لواء أجناس أخرى.

بفضل صنيعهم هذا لم يعد أدب الناشئة محبوسا في الإطار الشائق والعجيب أو في مناخات قصص الساحرات والجنيات، بل صار يخترق كلا من التاريخ والواقع المعيش وجغرافية العالم وآفاق الفكر الرحبة ويضيئها من داخلها مصورا إياها بعين الأجيال الصاعدة وحساسيتها.

وهكذا مارس هذا الجنس الأدبي أساطين في فنون السرد من بينهم رائد الرواية التاريخية (ألكساندر دوما) والكاتب الواقعي (غي دو موباسان) وآخرون عديدون.

إن الغاية من هذا الأدب الروائي هي تثقيف الناشئة وتوعيتهم وتوسيع مدارك خيالاتهم. وقد كتب هذا الجنس من الأدب مراعين ومتحاشين فيها أصحابها التبسيط المفرط والإفقار العامد للغة اللذين غالبا ما يفرضان على هذا النمط الأدبي القصصي.

أعدت قراءة (حكايات أمي الاوزة) ولكن هذه المرة مع ابنتي مريم. كنت أقرأها لها عند النوم منذ أن كانت صغيرة. وقد عمل المترجمون الهولنديون على ترجمة هذه الحكايات على شكل سلسة متتابعة ومترابطة، بلغة هولندية جد مبسطة ومدعومة بصور تجسد للطفل فهم معاني وأحداث الحكاية.

كانت هذه الحكايات تأسر روح مريم وتستولي على لب عقلها عندما كانت تنصت بغاية من الهدوء والاهتمام وأنا أقرأ لها حكاية (ذات القبعة الحمراء، تسمى بالعربية ليلى والذئب)، أو (حذاء سندريلا)، أو (الجمال النائم).. إلخ من قصص خرافية المنضوية تحت لواء تلك الأساطير التي سطرها قلم المبدع (شارل بيرو) والتي جمعها في كتابه الشهير: حكايات الاوزة الأم.

لم يدر بخلد (شارل بيرو) أن تكون لحكاياته الشعبية الخرافية شهرة في عالم القصص على مر العصور. وقد أنتجت لقصصه أعمال فنية عالمية لم يكن يحلم بها في عصره، منها ما كان في الأوبرا والباليه. وخاصة تلك المقطوعة الموسيقية الرائعة، المعروفة بمقطوعة الجمال النائم التي ألفها الموسيقار الكلاسيكي (تشايكوفسكي). وكذلك أنتج العالم على إثر قصصه المسرحيات، والمسرحيات الموسيقية، والأفلام التي تنوعت بين الأداء التمثيلي والرسوم المتحركة المسجلة على الأقراص المدمجة لتكون في متناول الطفل في أي وقت يشاء.

وهذا هو سر الإبداع الفكري والأدبي.. إنتاج الكتاب والمفكرون لا يفنى.. يبقى في متناول الأجيال، ينمي روحهم ويخاطب فيهم عقولهم ويطور جوانب شخصيتهم. جسد المفكر ووري تحت التراب ليفنى ويتلاشى، ولكن روح فكره انخلع عن جسده ليبقى يفيد ويخصب عقول الأجيال.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *