الخميس , أبريل 27 2017
الرئيسية / مدونات / حكاية الخواتم الثلاثة ومغزاها الفلسفي الإنساني – ذ. محمد أزرقان

حكاية الخواتم الثلاثة ومغزاها الفلسفي الإنساني – ذ. محمد أزرقان

عندما كنت طالبا بالمرحلة الثانوية، قرأت قصصا أدبية مختلفة، أنكب عليها وأنشغل بمحتوياتها وصيغها اللغوية. وكانت مواضيع هذه القصص تأخذني إلى عالم غير عالم الواقع. وتدخل في باب كتب الخرافات والأساطير والمغامرات. وقد تكون بينها كتب يعدها الباحثون من التراث العالمي “الكلاسيكي”، أمثال دانيال ديفو لمغامرات (ربنسن كروزو) التي أنسجها عن قصة (حي بن يقضان) لإبن طفيل وقصة (الغريبة الغربية) للسهروردي، ومنها كذلك قصة (ألف ليلة وليلة) الشرقية الذائعة الصيت. والإنسان عندما يقرأ هذه القصص تنقله من عالم الواقع إلى عالم الخيال. فعلى الرغم مما نجد في بعض تلك الحكايات والقصص من التصور الفني الرائع، فهو تصور بعيد عن واقع الناس ومعاناتهم اليومية والإجتماعية.

وفي هذه الشهور القليلة الماضية كنت أعد كتب مكتبتي التي قرأتها والكتب التي لم أتناولها بعد بالبحث والدراسة، وقع نظري على كتاب من الحجم الصغير، لا تتجاوز صفحاته المائة، قرأته قراءة عابرة دون تدبر وتمعن، وبقيت أفكاره تروج في ذهني وتلح علي إعادة القراءة والوقوف عندها.

قرأته للمرة الثانية بالتركيز واستحضار العقل، فوجدت فعلا أن الكتيب يعالج قضايا إنسانية كبرى ومصيرية. أتصور لو فهمها الإنسان فهما صحيحا سليما، لتخلى عن الأحقاد والضغينة والكراهية وإثارة الحروب المدمرة.

إنه الكتاب الذي تناول فيه  الفيلسوف الألماني (غوتهولد أفرائيم ليسينغ  Lessing) حكاية الخواتم الثلاثة. وقد صاغها على شكل مسرحية لتلقى على خشبة المسارح، وتكون شاهدة على ظلم الإنسان وعدم تسامحه.

تتناول المسرحية أحداثا في المشرق العربي – الإسلامي أيام الحروب الصليبية. وقد استطاع (ليسنغ) عبر هذه المسرحية أن يعطي صورة للغربيين عن المشرق، هي أقرب مما تكون إلى الواقع، من غير تصنع، أو زيادة، أو تشويه للحقيقة، أو تعصب، في زمن كان فيه التصعب الديني قد وصل ذروته في الغرب. وعندما قرأت المسرحية وتأملت معانيها الإنسانية العظيمة، عرفت أن المفكر المتنور (ليسنغ) له القدرة والهمة العالية على التصوير الفني للأشياء. وهو لم يزر الشرق ولم يلتقي بأبطال مسرحيته، بل استمد صورته للمشرق العربي – الإسلامي من الكتب التي راجعها واطلع عليها.

و(ليسنغ) اشتهر باشتراكه ونشاطه في تطوير حركة التنوير التي امتدت إلى ألمانيا من موطنها الفرنسي في القرن الثامن عشر. ولعل تطلعه إلى تقويم التنوير تجعل المرء ينسى أن (ليسنغ) كان شاعرا نابغا، يستحق أن يذكر بين شعراء ألمانيا الكلاسيكيين.

وهذه المسرحية التي نحن بصدد التحدث عنها، هي آخرعمل الذي أنجزه في حياته، بعنوان: “ناتان الحكيم”، مدارها الديانات الثلاث التي أوحى بها الله إلى الناس، المتقاربة والمتخالفة.

كان المفكر الألماني (ليسنغ) من المفكرين الذين وهبوا أنفسهم لخدمة قضايا الإنسان واحترام آدميته وكرامته والتشريف الذي أودعه إياه ربه وخالقه، لذلك نجده يدخل في نقاش وجدال حاد مع اللاهوتيين المتعصبين الحاقدين على أصحاب الديانات السماوية الأخرى (اليهودية والإسلام). وبما أن (ليسنغ) كان يهتم بتاريخ وثقافة الشرق، مهد الديانات السماوية الثلاثة، أقدم على دراسة هذه الديانات الثلاث دراسة مقارنة. والدافع لإجراء دراسته هاته هو كتاب بعنوان: (دقائق الأمور) للمفكر الإيطالي (جيرولامو كاردانو). قرأ (ليسنغ) هذا الكتاب قراءة مستفيضة، فوجد أنه يتعرض في الباب الحادي عشر لمسألة تخص مصير الأنسان وعلاقته مع أخيه الإنسان، مفادها أن وثنيا ويهوديا ومسيحيا ومسلما اجتمعوا للنقاش في قضايا الدين، وكان كل واحد منهم يجادل الآخر ويدافع عن معتقداته الدينية، فيجادل الوثني اليهودي، واليهودي يناقش المسيحي، والمسيحي ينازع المسلم، أما المسلم فيرد على أقوال المسيحي ردا لا يخلو من حجج مقنعة وأدلة قاطعة..”، مما دفع كثيرا من المسيحيين إلى اتهام مؤلف الكتاب بالكفر والهرطقة والخروج عن الدين. ولما كان حال هذا الكاتب وفرض الحصار على مؤلفه بألا يقرأ، تناوله (ليسنغ) بالقراءة والدراسة، فتوصل إلى أن الكتاب من الكتب التي كرهها من لم يقرأها.

وما أكثر تكرار هذه الحالة في عالم المسلمين، وهي تذكرني بواقعة، شهدها على الأقل جيلي، وذلك عندما كتب الكاتب خالص جلبي كتابه (في النقد الذاتي) في بداية الثمانينات والحصار الذي فرض عليه من قبل الحركات الإسلامية السياسية، مع أن الكتاب كتبه الرجل خصيصا لهذه الحركات التي ضاعت بين الوعود الخادعة وغرقت في ترهات السياسة وأكاذيبها.

عكف المفكر الألماني (ليسنغ) على تأليف رسالة، دافع فيها عن المفكر الإيطالي فيقول: “لم يقصد الكاتب (كاردانو) إلا الدفاع عن الدين المسيحي، فجعل المسيحي يوطد أساس دينه بسرد جميع الحجج التي يأتي المسيحيون بها معززين مبادىء عقيدتهم متسائلا: هل هناك أفضل معالجة من معالجة الكاتب لهذا الموضوع؟ وإذا كانت معالجته للموضوع سليمة لا تستحق هذا اللوم، فهل نلومه على أنه عالج الموضوع من أصله وأساسه؟ ثم طرح (ليسنغ) سؤالا آخر للبحث: هل نحرم نحن المسيحيون المقارنة بين ديننا وبين الأديان الأخرى؟ وهل نحرم على مفكرينا وباحثينا إجراء دراسات  مقارنة بين الأديان؟ ثم يجيب (ليسنغ) عن السؤال الذي طرحه على قراء رسالته قائلا: لا يزعمن أحد أن إثبات الأدلة الإلهية المتجلية في دينه يغنيه عن البحث عن وجود تلك الأدلة وتجليها في أديان أخرى غير دينه، ولا يلجأن أحد إلى الإستشهاد بالمثل القائل: من وجد الرشد، فليغفل عن الضلالات. فهل ندرك ما هي الضلالات بإدراكنا ماهية الرشد؟ كلا، بل إننا نفهم الرشد إذا فهمنا الضلالات.”

لا شك أن اهتمام (ليسنغ) بدراسة مقارنة الأديان، جعلته يفكر في وسيلة توصيل هذه الأفكار المتسامحة أو بالأحرى، فضيلة التسامح الديني إلى الجمهور، ثم نراه بعد ربع قرن، يفرغ روح هذه الأفكار في قالب المسرح، فكانت مسرحيته المشهورة:”ناتان الحيكم”.

إنها المسرحية التي تتحدث عن إمكانية تقارب أتباع الديانات الثلاث بعضهم من بعض، وذلك عن طريق التعاون والعمل المشترك فيما اتفق عليه وعذر بعضهم البعض فيما اختلف فيه. ويرى (ليسنغ) من خلال هذه المسرحية أن تفاهمهم فيما بينهم لا ينتج عن النقاشات والجدالات العقيمة فيما يعتقد كل واحد منهم، بل هو السعي من وراء العمل الصالح الذي أمر الله أتباع الديانات الثلاث بالقيام به، كما توصي به النصوص في التوراة والإنجيل والقرآن.

وقراءات (ليسنغ) المتعمقة للتاريخ جعلته يدرك أن التفاهم المطلوب لم يتحقق منذ أن عرف التاريخ هذه الأديان إلا نادرا. وقد ارتكبت جرائم إنسانية يندى لها الجبين باسم هذه الأديان، وقدمت قرابين بشرية في سبيل زعماء يمثلون سلطة دينية – سياسية لهذه الأديان.

ولهذه المعضلة التي تهدد وجود الإنسان على هذه البسيطة بالفناء، يجد لها (ليسنغ) تفسيرا عقلانيا: إن التعصب سببه هو إغفال استخدام قوى العقل التي منحها الله للإنسان، ليستخدمها قدر استطاعته، خدمة لصالحه مع مراعاة صالح غيره من البشر. وهذه الطريقة في استعمال قوى العقل هو ما يسمى “بتنوير العقل” – كما حدده (عمانوئيل كانط)، فيلسوف عصر التنوير-.

وأما “تعتيم العقل” فهو ظاهرة مرضية خطرة، يكشف عن ضيق أفق من ابتلي به، والإنسان المبتلى بهذه الآفة يلجأ إلى هدر كرامة الإنسان وسفك دمه وقتله، لا لشيء، إلا أن يخالفه في الإعتقاد والرأي، والتاريخ يخبرنا أن هذه الحالة النفسية – المرضية كانت السبب في إفناء حضارات بأكملها.

وبالرغم مما يروى في كتب التاريخ من الجرائم والجنايات وإفناء الإنسان لأخيه الإنسان، فإن الفيلسوف (ليسينغ) متفاءل بأن العالم قابل للتطور إلى الأفضل والأحسن، وذلك بتنمية القدرات العقلية عند الإنسان وتخليصه من قيود التقليد الأعمى وضيق الأفق، إلا أن هذه التنمية لا تتم دفعة واحدة وإنما عبر خطوات تدريجية – منهجية تربوية طبقا لسنن الله في الأنفس.

وهذا الهدف النبيل لا يتحقق إلا بالصبر والعمل المستمر والجهاد، حتى يتمكن الإنسان من تحرير نفسه من كل ما يفسد عليه روحه وعقله لإدراك الهدف المنشود، أي الوصول إلى مرتبة الكمال في عمل الصالحات من حيث هي أعمال صالحة لبني جنسه، دون الطمع في الأجر الموعود – يشير ليسينغ في رسالته التي نشرها عام 1780م بعنوان: تربية الجنس البشري-.

وأما الديانات الثلاث فيرى (ليسينع) أنها تشترك في الأصل، جوهرها واحد لا يختلف، هو الجوهر الإلهي الخالد، لا تبديل ولا تغيير فيه. ومن تفهم ذلك، تجنب الجدالات العقيمة التي يدافعون بها عن دقائق التفرعات الإعتقادية. وصاحب العقل الراجح والمتنور لا يمكن أن يضيع وقته في الجدالات والنقشات الفرعية والغير المفيدة، بل يوقف جهوده على السعي لإظهار جوهر دينه الأصيل، وبالتالي يسارع إلى فعل الخيرات والأعمال الصالحة وفقا لما أوصاه الله به.

وإذا تحتم أن يتنافس أصحاب الديانات الثلاث، فلتكن شروط تنافسهم التسابق على القيام بالأعمال الصالحات، لا على التمادي في إطالة النقاش والجدال الذي ينتج عنه الكراهية والحقد والضغينة.

ومسرحية “ناتان الحكيم” تعالج هذه العلاقة الخطيرة بين الأديان الثلاثة. يتضح هذا من خلال المشهد الرئيسي للمسرحية، حيث جعل الشاعر (ليسينغ) فيه (ناتان) التاجر الحكيم  يتحدث إلى السلطان (صلاح الدين الأيوبي) عن الأديان الثلاثة (الإسلام والمسيحية واليهودية). ولعل سائلا يسأل: كيف علم (ليسينغ) لقاء التاجر اليهودي (ناتان) بالسلطان وما دار بينها من حديث عن الأديان؟ ومن أي مصدر استوحى هذه المسرحية؟

أخذ (ليسينغ) قصة مسرحيته من كتاب “الديكاميرون” (لجيوفاني بوكاشيو) القصاص الإيطالي، عاش من 1313 حتي 1375م. وهذا الكتاب من أجمل ما كتب في مجال القصة القصيرة، وكان نموذجا للفن القصصي الأوروبي في أوائل عصر النهضة الإيطالية.

و(ليسينغ) كان مطلعا على كثير من كتب الأدب الإيطالي، ويشير في مسودة مقدمة مسرحيته إلى أن مادة المسرحية أخذها من كتاب “الديكاميرون” (لبوكاشو). وبحسب الترجمة للقصة الواردة في كتاب “الديكاميرون” فإن الإسم الحقيقي للتاجر اليهودي هو “ملكي صادق”، ولكن (ليسينغ) عوض هذا الإسم باسم “ناتان”، أخذه من قصة أخرى من نفس المجموعة القصصية في كتاب “الديكاميرون”.

ومضمون القصة أن السلطان (صلاح الدين) أوقع التاجر اليهودي (ملكي صادق) في فخ صعب، تخلص منه بروايته لحكاية الخواتم الثلاثة: “بلغ السلطان صلاح الدين الأيوبي من الشجاعة والجسارة مبلغا جعله يبرز من بين صفوف العوام ويعتلي عرش سلطنة بابل. وكان بفضل جرأته يظفر على كثير من أمراء المسلمين والنصارى ، لكن كثرة غزواته ورفاهة عيشه استنفذت كل ما كان يدخره في بيت ماله. ولما احتاج فجأة إلى مبلغ ضخم من المال لم يدر من أين يحصل عليه بسرعة تسعفه في قضاء حاجته. ثم خطر بباله أن يهوديا غنيا يدعى (ملكي صادق) يعيش في الإسكندرية، وأن ذلك اليهودي كان يقرض الناس من أمواله بالربا. ورأى السلطان أنه يمكن أن يهب لمساعدته، لكنه وإن كان متأكدا أن بخل اليهودي يمنعه من التطوع بمساعدته، إلا أنه لم يرض أن يلجأ إلى العنف. ولما اشتدت أزمته المالية بدا له أنه لا بد أن يدفع اليهودي إلى معاونته مهما كلفه الأمر من مجاملة أو مخاشنة. فأخذ يعمل فكره للبحث عن ذريعة تسوغ له إرغام اليهودي على إقراضه المبلغ المطلوب، مع المحافظة على ظاهر الحق في الوقت نفسه. وأخيرا استدعاه السلطان وأكرمه غاية الإكرام وأجلسه إلى جانبه ثم قال: ياصديقي العزيز، لقد أكد لي كثير من معارفي أنك حكيم متخصص في علم الإلهيات. ولذلك أود أن تبين لي أي دين من الأديان الثلاثة هو دين الحق، أهو دين اليهود أو دين الإسلام أو دين النصارى؟ وكان اليهودي حكيما حقا، فأدرك تماما أن السلطان لم يطرح عليه سؤالا من هذا النوع إلا رغبة في إذلاله مهما كانت إجابته. وعرف كذلك أنه أيا كان الدين الذي يفضله من الديانات الثلاث على الآخرين، فإنه بتفضيله له إنما يساعد السلطان على نيل مأربه. فبادر إلى حشد قوى عقله كلها للوصول إلى جواب فيه من البراءة ما يفتقر إليه. فلما توصل إلى كيفية الإجابة عن سؤال السلطان قال: يامولاي، إن السؤال الذي طرحته علي سؤال مهم يحتاج إلى عمق التفكير، وما دمت قد طلبت مني الإجابة عنه، فأرجو أن تسمح لي بقص هذه القصة: يروى أن رجلا غنيا نبيلا، عاش في غابر الزمن، وكان يدخر في بيت ماله جواهر كثيرة وأحجارا كريمة نادرة. وكان له خاتم عجيب نفيس، يفضله عن سائر كنوزه، فأراد أن ينال هذا الخاتم التقدير اللائق بقيمته، وأن يبقى إلى الأبد ملك سلالته. وأوصى أن وارثه الوحيد هو من يستطيع من أبنائه أن يقدم الخاتم لإخوته مثبتا أنه ناله من والده، فيشرفونه تشريف المفضل عليهم ويتركون له الميراث كله. وأوصى وارث الخاتم الأول أبناءه بمثل ما أوصى به أبوه. وبالإيجاز كان الخاتم ينتقل مورثا من يد إلى يد، فناله كثير من خلف الجد الأعلى، حتى انتهى إلى رجل كان له أبناء ثلاثة كلهم أقوياء الجسم محمودو السيرة، يطيعون والدهم دون أي معارضة. ولهذا كان يحب كلا منهم حبه للآخر، وعرف الشبان الوصية الخاصة بالخاتم، وطمع كل منهم في أن يفضل على أهل بيته، وكلما خلا أحدهم بأبيه الطاعن في السن، توسل إليه طالبا منه أن يعطيه الخاتم. ولما كان الرجل الطيب يحب كل واحد من أولاده حبه للآخر، لم يعرف من يختار منهم فيجعله وارث الخاتم. فوعد كل واحد منهم بأن يعطيه الخاتم، وبحث عن وسيلة تمكنه من إرضائهم أجمعين. ولكي يتوصل إلى هدفه إلتجأ إلى الخطة التالية محاطة بسرية تامة: أمر صائغا حاذقا بصنع خاتمين يشبهان الخاتم الأصلي، فنجح الصائغ في أن يصنع الخاتمين الجديدين طبقا للخاتم الأصلي تماما، حتى أن الأب نفسه الذي كان قد أمر الصائغ بصنعهما كاد ييأس من تمييز الخاتم الأصلي عن الآخرين. وعندما أشرف على الموت، أعطى كل واحد من بنيه أحد الخواتم خفية عن أخويه في كل مرة. وبعد وفاة والدهم ادعى كل واحد منهم أنه وارث الخاتم، ومن ثم فهو المفضل على أهل البيت، ونازع كل واحد منهم أخويه حق الأفضلية معللا ادعاءه للميراث بتقديم الخاتم الذي أعطاه إياه والده. فتوصلوا إلى أن تشابه الخواتم يمنعهم من تمييز الخاتم الأصلي عن الخاتمين الآخرين، فبقي تعين الوارث الحقيقي مسألة معلقة، لا يمكن البت فيها إلى يومنا هذا.

هذا هو رأيي يامولاي، في الأديان الثلاثة التي أنعم الله بها على أهل الملل الثلاث. فكل ملة من الملل الثلاث تعتقد بأن الأب خولهم امتلاك الميراث، وأنه أنعم عليهم بدين الحق وبوصاياه الربانية ليسيروا عليها. وأما لأي ملة يحق لها الميراث، فهي مسألة تبقى معلقة مثلما بقيت مسألة الخواتم الثلاثة دون البت فيها”.

أدرك صلاح الدين فطنة اليهودي وبراعته التي خلصته من مأزقه الذي وضع فيه. فعزم السلطان صلاح الدين على ترك التحايل والتصريح بما كان يحتاج إليه، معترفا بما كان يعتزم أن يقدم عليه لو لم يظهر التاجر اليهودي من سرعة الخاطر ما أظهره في إجابته عن السؤال المطروح عليه. فلم يقصر التاجر اليهودي عن مساعدة السلطان في كل ما طلب منه مساعدته. وأما السلطان لم يكتف فقط عن إرجاع القرض الذي تسلمه منه، بل أغدق عليه بالهدايا والعطايا وجعله من المقربين إليه ومن أعز أصدقائه.

كان هذا هو نص القصة التي اعتمد عليها (ليسينغ) في تأليف مسرحية “ناتان الحكيم”. وناتان التاجر اليهودي الحكيم (بطل المسرحية) صوره (ليسينغ) في شخصية صديقه (موسى مندلسون) الذي كان تاجرا وحكيما ومفكرا. وحكمة (ناتان) لم يأخذها الشاعر من كتب الأدب، بل الحكمة المستخلصة من الصبر على معاناة الحياة والإبتلاء. والسلطان (صلاح الدين) وصفه بالأمير المسلم النموذجي والشجاع، عالي الهمة تقي آمر بالمعروف ناه عن المنكر، ثم أضاف إلى تلك الصفات الحميدة رحابة الصدر والتسامح، حيث يكون جديرا بأن يكون صديق (ناتان الحكيم). وأما الجانب المسيحي فقد مثله عدة شخصيات منهم الفارس الصليبي الذي أسره السلطان (صلاح الدين) ثم عفا عنه، والراهب المتواضع المتسامح الذي سلم إلى (ناتان) طفلة مسيحية يتيمة ليتولى رعايتها عندما كانت الحروب الصلبية تدار رحاها في الشرق، هو أقرب المسيحيين تسامحا إلى (ناتان الحكيم) بحسب المسرحية.

المسرحية من أهم الأعمال التي خلدت اسم (ليسينغ) في سجل أولئك الذين نافحوا وكافحوا من أجل إنسانية الإنسان وكرامته وحقه في الإعتقاد والرأي. والرجل من خلال مسرحيته يدعو إلى فضيلة التسامح الديني والتأسيس لحوار يمنح الفرصة لكل الفرقاء ليعبروا بحرية عن أفكارهم ومعتقدهم. وما أحوجنا نحن إلى هذه الأفكار التنويرية لندير شؤوننا بالسلم والحوارعوض القتل وتدمير الإنسان. يجب أن نخلق ثقافة حرية الإعتقاد دون قيد ولا شرط. وهذه الحرية الإلهية مقدسة، لا يحق لأحد أن يدنسها، والساكت عن تدينيسها هو شيطان أخرص.

ذ. محمد أزرقان – هولندا

عن مكتب التحرير

Profile photo of مكتب التحرير

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *