الخميس , ديسمبر 14 2017
آخر الأخبار
الرئيسية / مدونات / حراك الريف… وأزمة السياسيين – ذ. محمد أزرقان
جماعة بني حذيفة

حراك الريف… وأزمة السياسيين – ذ. محمد أزرقان

لم يأتي حراك الريف من فراغ بل هو نتيجة تراكمات اجتماعية سياسية تقدر بعقود، منذ أن وقع على تلك الوثيقة المشوهة لاستقلال البلد. منطقة الريف كانت من المناطق التي ساهمت وبفعالية في مواجهة الاستعمار وتخليص البلاد والعباد من المستعمر المستبد.

كان بإمكان المجاهد الخطابي أن يكون من بين الوفد المفاوض على وثيقة الاستقلال مع فرنسا ولكن لم يحصل هذا وأبى إلا أن يبقى وفيا لروح الجهاد والمجاهدين الذين قضوا نحبهم في ميادين المعارك دفاعا عن كرامة الانسان المغربي وحرمة بلده.

عملت فرنسا كل ما في وسعها لتضم المجاهد الخطابى إلى طاولة المفاوضات، ولكنه  رفض المشاركة والجلوس معها للتفاوض على حساب دماء الشهداء وتوجهات الشعب المغربي مقابل وثيقة رخيصة، تمنح للمستعمر امتيازات سياسية – اقتصادية – ثقافية لا حد لها.

تسلمت النخبة الموقعة على وثيقة الاستقلال المشؤومة السلطة من فرنسا لتدير بلد المغرب وفقا لمصالحها ومصالح فرنسا. أقامت أحزابا سياسية غير شرعية، لا علاقة لها بمصير ومطالب الشعب. نهبوا ثروات الشعب وأملاكه. جروا البلاد إلى وضع متأزم حيث استشرى الفساد والرشاوي والمحسوبية في المجتمع.

وفي أجواء هذه الثقافة الفاسدة والعفنة للنخبة السياسية والقائمين على مؤسسات الدولة، كان من الطبيعي أن تحدث مظاهرات وحراك كحراك الريف الذي جاء ليندد بأفعال هؤلاء السياسيين المخادعين المفلسين وكذبهم على الشعب. ومطالب الحراك مطالب مشروعة ومحقة لا يختلف عليها اثنين. خذ على سبيل المثال، الطريق الرابط بين مدينة الحسيمة وتطوان. أنشأه الاستعمار الاسباني لأغراض عسكرية. وفي عهد الاستقلال حولته وزارة الأشغال العمومية إلى طريق عمومي يستخدم لنقل المسافرين والبضائع، بعدما أن أدخلت عليه بعض التعديلات والإصلاحات البسيطة، كرصفه بالإسفلت. والطريق يمر عبر جبال وصخور بنيتها وعرة ومعقدة، تكثر فيه الملتوات والمنعرجات. احتمال وقوع الحوادث كبيرة، لأن عرض الطريق لا يسمح باتساع سيارتين عند نقطة التقائهما. وإذا لم يحترم قانون السير، فإن وقوع الحادثة لا محالة فيها. والحادثة غالبا ما تكون رهيبة، تخلف ضحايا لا يمكن أن تصلهم إلا بشق الأنفس، لأن السيارة أو الشاحنة عندما تصطدم بالأخرى، أو تنحرف عن الطريق يكون مآلهما في قاع الوادي. ولقد رأيت بأم عيني في أواخر السبعينات القرن الماضي أطراف البشر ممزقة وملصقة على الصخور والأحجار عندما انزلقت إحدى الحافلات ليلا عند منعرج خطير لتنتهي وتستقر في قاع النهر أسفل الجبل. وعن مثل هذه الحوادث التي حدثت على هذا الطريق ولا زالت تحدث فحدث ولا حرج.

لا يوجد في قرية (بني حذيفة) التي أنتمي إليها إلا مستوصف واحد صغير، يقدم بعض الخدمات الصحية البسيطة لا تكفي للأهالي. وأما الذين يقطنون في المناطق النائية البعيدة عن القرية وراء الجبال، فمصيرهم الإهمال والموت البطيء عندما يصابون بالأمراض. كنا نشاهد مريضا محمولا على ظهر دابة، لا يصل إلى القرية إلا وشدة ألم المرض قد أنهكه، بل ولربما قضى أجله قبل أن يصل إلى المستشفى المركزي المتواجد بمدينة الحسيمة التي تبعد عن القرية بخمسة وأربعين كيلومتر.

كانت هذه المأساة تحدث أمام مرأى ومشهد صانعي القرار وأصحاب السلطة الذين كانوا يتبجحون ويتشدقون بعهد الاستقلال والازدهار والرخاء، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها.

يقول القائمون على إدارة شؤون وسياسة بلد المغرب، عبرأبواقهم الإعلامية أن البلد يتمتع بوضع مستقر مقارنة ببلدان المجاورة وبلدان الشرق الأوسط. ونحن لا نختلف معهم ويجب أن نحافظ على هذا الوضع ونقدر هذه النعمة.. ولكن يا سادتنا القائمين على إدارة هذا البلد، هل تكفي هذه التصريحات لتوهموا البسطاء من الشعب بأن البلد مستقر وبخير! بينما البلد مشلل اقتصادية واجتماعيا وثقافيا.

خذ مثلا ملف التعليم والصحة المنخورين بالفساد، لا تعالج فقط باستقرار البلد، بل تحتاج إلى نخبة متشبعة بالوعي التاريخي، ومتسلحة بمعرفة واقع الانسان المغربي اجتماعيا ونفسيا. نخبة يجب أن تكون خطة إصلاحها على هدي هذه الشرعة السماوية: “غير نفسك تغير التاريخ”. ولا بد لهذه النخبة أن تبدأ من نفسها. وإذا تم لها هذا المبدأ، كانت لها الإرادة والقدرة على التفاعل مع الشعب، وذلك عندما تضع يدها على الأمراض الاجتماعية التي يعاني منها هذا الشعب، من تخلف وسلبية ولافعالية، وبالتالي تضع خطة منهجية هادفة للحلول، مدعمة  بالسياسة وأصحاب اتخاذ وتنفيذ القرارات. بكلمة أخرى، هناك علاقة تبادلية بين الثقافة والسياسة. السياسي يراقب سلوكه بفضل جهاز المراقبة الذي تخلقه لديه الثقافة، فيسيطر على ذاته ويمتلك القيم والمبادىء، وبالتالي يؤدي مهماته ومسؤولياته أداء يخلو من الفساد وسرقة أموال وأملاك الشعب.

فالمشكلات الاجتماعية، لا تعالج بكلمات أدبية أو خطابية، وإنما بتحول نفسي، يصبح معه الفرد شيئا فشيئا قادرا على القيام بوظيفته الاجتماعية، جديرا بأن تحترم كرامته، وعندئذ يرتفع عنه طابع القابلية للاستعمار – بتعبير المفكر الاجتماعي مالك بن نبي -، مع أننا نعلم علم اليقين أن اللوبي الفرنكفوني وأصحاب المصالح والفسدة سيعملون جهدهم على تخريب كل خطة تهدف إلى الإصلاح والتغيير.

إن الأزمة السياسية الراهنة في بلد المغرب تعود تعقدها إلى أننا نجهل أو نتجاهل القوانين الأساسية التي تقوم عليها الظاهرة السياسية، والتي تقتضينا أن ندخل في اعتبارنا دائما صلة الحكومة بالوسط الاجتماعي، كآلة مسيرة له، وتتأثر به في آن واحد، وفي هذا – كما سبقت الاشارة – دلالة على ما بين تغيير النفس وتغيير الوسط الاجتماعي من علاقات وطيدة ومتينة، أو كما قال الكاتب الاجتماعي السياسي (بورك):” إن الدولة التي لا تملك الوسائل لمسايرة التغيرات الاجتماعية لا تستطيع أن تحتفظ ببقائها”.

فحراك الريف جاء نتيجة هذه الأوضاع المزرية للنخب التي تحسب على الثقافة والسياسة. انتظر شباب الحسيمة المنتفضون سنوات ليوفوا صناع القرار السياسي في الرباط بوعدهم الذي قطعوه على أنفسهم لتنمية المنطقة المنكوبة. طال انتظارهم.. ولم يتحقق شيء في الواقع، فقاموا ينددون بالفساد وسرقة أموال الشعب.. وماذا كان جزاءهم؟ الاعتقال والسجن والتعذيب.

 يرى البعض من الشعب أن هذا الحراك انفصالي يدعو إلى الفتنة والتفرقة. وهذه المشكلة  قديمة وليست جديدة، عانى منها المجتمع البشري منذ فجر التاريخ. يطلق عليها علماء الاجتماع اليوم مصطلح “المشكلة ذات الحدين”.

ففي كل مجتمع متحرك ديناميكي نجد فئة من الناس تدعو إلى مبدأ جديد فتقلق المجتمع به ولربما مزقت شمله. وهذه الفئة تعد في أول الأمر خارجة عن القانون وتكل لها التهم من كل جانب، وخاصة جانب أصحاب النفوذ والمصالح.

إنها تفرق الجماعة بنقدها للأوضاع السائدة وفضحها للفساد. ولكنها في نفس الوقت تبعث في المجتمع روح التجديد والتطور. ولولاها لجمد المجتمع وبقي في خمود متراكم بفعل الامراض النفسية والاجتماعية من استبداد وفساد.. ربما أدى به إلى الفناء والغياب عن مسرح التاريخ.

ذ. محمد أزرقان – هولندا

عن مكتب التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *