تجربتي مع القراءة – ذ. محمد أزرقان

 تجربتي مع القراءة – ذ. محمد أزرقان

القراءة حينما وجدت، لم توجد هكذا عبثا، إنما اكتشف الإنسان هذا السر الإلهي، ليتطور ويرتقي من مستوى متدني-لا أخلاقي إلى مستوى إنساني-أخلاقي.

القراءة والكتابة حلقتان من الحلقات المتميزة والحاسمة في تاريخ البشرية، فبفضلهما استطاع الإنسان أن يميز ما بين الخير والشر، وبفضلهما تم حفظ الإنتاج الفكري والتجارب الإنسانية.

والمتأمل في هذا النص القرآني:“اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم..” يجد أن كرم الرب لا يناله إلا القارئون. وكل ما ننعم به اليوم من ثورة (الانفوميديا Infomedia) هو من نفحات وبركات حسن استخدام القراءة والكتابة.

أول تجربة لي مع القراءة يعود تاريخها إلى زمن مرحلة التعليم الإعدادي عندما كان مدرس اللغة العربية يحثنا على القراءة لتنمية رصيدنا اللغوي والمعرفي، لكن هذا الجهد لم يستمرطويلا للآسف! فخبت النبتة التي غرسها هذا المدرس في أنفسنا إلى حين!..

في عقد الثمانينيات من القرن الماضي كانت روحي التواقة للمعرفة مهيأة والأجواء ملائمة لأبدأ القراءة والبحث دون تأجيل ولا تسويف، باحثا عن أجوبة لكثير من الإشكالات النفسية والإجتماعية التي عانيتها، والتي أراها كانت العامل الحاسم والرئيسي في تحديد اتجاهي الفكري والثقافي.

وابتداء من هذا الوقت قرأت عددا لا يستهان بها من الكتب في شتى فروع المعرفة. بدأت بالكتب الأدبية، فالفلسفية، فالعلمية. وهذا الترتيب أفادني به الأستاذ عباس محمود العقاد، اعتمده في رحلة حياته الأدبية والفكرية، وهو ترتيب فيه حكمة ودراية في تحصيل المعارف البشرية.

الأدب يغذي الروح ويؤسس للحس الإنساني، هدفه الأسمى هو الكشف عن الروح الإنسانية المتساوية القيمة في جميع البشر، والفلسفة تغذي العقل وتكسب أداة التحليل، وأما العلم فهو مساحة مشتركة تجعل الثلاثة مترابطة.

وأحسب أن الأستاذ العقاد رحمه الله لم يعتمد هذا الترتيب كرونولوجيا، كخمس سنوات مثلا للأدب وخمس سنوات للفلسفة ثم خمس سنوات للعلوم الأخرى، فهذا مما لم يلتزم به العقاد نفسه، بل هي البداية الأولية للتأسيس، يليها التنوع في القراءة دون الإقتصار على لون واحد، تفاديا للملل والنفور.

من أصعب الأمور هو خلق عادة القراءة والمواظبة عليها… كيف تجعل نفسك تلج باب هذا العالم السحري الجذاب؟.. تقرأ حتى اللذة كما يقول الفيلسوف الهولندي (سبينوزا)…

القراءة ملكة تكتسب وتنمى بالتدريب والتمرين، ولعل أفضل تمرين على موهبة القراءة يأتي من قراءة الكتب السهلة والمشوقة كالقصص والروايات، فإن تعلق بها انتقل إلى الكتب العويصة والفلسفية والصبر على قراءتها، “واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي”.

من تجربتي أذكر تلك الأوقات التي كانت النفس تنفر فيها من القراءة فأحثها وأجبرها على القراءة، وأذكر أيضا كيف كانت الكتابة من أشق الأمور علي حتى تعودت عليها ولانت لي كما ألان الله الحديد لداوود.

يروي العقاد في كتابه: “ساعات مع الكتب” أنه كان يخصص أمكنة وزوايا ومقاعد لكل لون من القراءة، وهب نفسه للقراءة والمعرفة، كان راهب معرفة، يقرأ من كل المعارف، حيث ترك خلفه موسوعة ضخمة من مؤلفات وبحوث أغنى بها المكتبة العربية.

وفي كتابه: “الأدب والنقد” يستغرب الأستاذ العقاد من ذاك الذي يسأل: “ما فائدة القراءة”؟ فيعقب بأسلوبه البليغ “إنه سؤال شبيه بمن يقول: ما فائدة الغذاء، فكما للغذاء بطن يأويه وعروق تحمله، كذلك للقراءة والمعرفة بطن وعروق هي الروح. المعرفة غريزة في الإنسان محلها الروح كما الغذاء غريزة في الإنسان محلها البطن، ومن أنكر أحدهما فهو معلول، وإنكار المعرفة أعجب من إنكار الغذاء.”

من المفارقات العجيبة أن فيلسوفا عدميا كشوبنهاور الألماني القاتم المزاج والكئيب الحالة يشيد بفضل القراءة والمعرفة وبعتبرها دواء ضد كل هم وغم، فهو يوصي أصحاب الهموم والكآبة بالقراءة لينجلي همهم وينشرح صدرهم. ولكني أرى بأن شوبنهاور هذا مخطىء إذ يظن أن مجرد قراءة كتاب يحصل الشفاء للنفس القلقة والمضطربة!.. وما يغيب عن شوبنهاور وأمثاله من الفلاسفة العدميين هوالإيمان بالخالق الذي به تكتمل المعرفة وتوتي أكلها فتشفى النفس المضطربة والقلقة وتطمئن (ألا بذكر الله تطمئن القلوب!).

معرفة + إيمان = طمئنينة نفسية وشفاء للهم.  

في عقد التسعينيات كانت قراءاتي متنوعة: في المسرح، في روائع الأدب العالمي، في الفلسفة في التاريخ والإجتماع… وما أعظم وأجمل القراءة في كافة مجالات المعرفة!

المعرفة تكسب المناعة وتقوي المبدأ وتطور منهجية التفكير والتحليل. القراءة المتنوعة تعرفنا على ثقافة الشعوب ونشوء الحضارات واندثارها، وتطلعنا على ألغاز الماضي وأسرار التاريخ، وبفضلها نتعرف على بدء الخلق الذي يشير إليه القرآن، وهو مصدر من مصادر المعرفة البشرية (“قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كانت عاقبة المكذبين” أو” قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق”).

روح هذه الآيات تنمي الروح، وتعقلن الفكر، وتحمل الإنسان على جناحي العلم والسلم. الإطلاع الموسع والمتنوع في مصادر المعرفة يوفر العلم. وحقيقة العلم هو شفاء لما بالنفوس– كما يشير القرآن في أكثر من آية – والنفوس حينما تشفى من الأمراض والحقد والضغينة، يحصل لها السلام والسلم، وتتحول إلى وعاء يفيض خيرا ونماء للإنسانية، وتتحسن العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، ويعود للمستكبر والمستضعف رشدهما وإنسانيتهما.

أتذكر عندما كنت أمر بمرحلة صعبة في هذه البلاد، كانت القراءة والمداومة عليها هي الخلاص، أجد فيها راحتي وذاتيتي، تمد جذور نفسي بماء الحياة. كنت أنغمس في عالم غير العالم من حولي، المليء بالصخب والجري من وراء الأشياء الفانية الزائلة، ولكأن برب العزة يريدني في تلك الفترة الحرجة من تجارب حياتي، أن أسلك هذا الطريق بعذاباته ومعاناته وجراحاته، ليتحقق ما تحقق لدي من تنوير للعقل وتهذيب للسلوك وتنمية للروح، والطريق لا زال طويلا ولا نهاية له في تحصيل العلم والمعرفة من شتى المصادر والمشارب.

كنت مسكونا بشيطان القراءة.. ولا زلت! أقرأ كل كتاب وقع في يدي كمصدر للمعرفة، أيا كان مصدرها إذا أشعت بالحكمة واستوت بالكلام الطيب الذي ينفع الناس، لأن ما ينفع الناس يمكث ويثبت، وأما الزبد فيذهب جفاء. “والله يقول عن عباده الصالحين أنهم: “هدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد”.

مشكلتنا نحن المسلمين ليست في الإسلام، إنما المشكلة في فهمنا للإسلام، وفهم الدين فهما سليما لا يتم إلا بالمعرفة. حينما هاجرنا إلى بلد هولندا للعيش فيه، نقلنا معنا موروثات ثقافية معوجة فعشنا في شرانق نغزلها من أوهامنا. ثمة فرق كبير بين الدين والعادات، وما لم يتم الفصل بين ما هو دين وبين ما هو تقاليد وعادات، فلن تقم للدين قائمة في هذا المجتمع ولن تستفيد الأجيال من مصادر المعرفة المتاحة في المجتمع الهولندي. وصدق المفكر الجزائري (مالك ابن نبي) عندما قال أن الأفكار كالفيروسات تنتقل عدواها من جيل لآخر.

عشنا عقودا من الزمن في كنف المجتمع الهولندي، ولم نر في ثقافته إلا الجانب السلبي مما أدى بنا إلى الانعزال والتقوقع على الذات. ومصادر المعرفة المتاحة في المجتمع الهولندي هي آية من آيات الله سخرت لنا، ولكن لم ننتفع بها – للأسف –، ففاتتنا فرصة الاستفادة من هذه الآية العظيمة، والقرآن يتحدث عن آفة التعطيل في الفهم فيقول:( (“وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون)” (س. يوسف). تعطلت آلة الفهم عندنا فلا قدرة لدينا على الاستفادة من أعظم الآيات التي نمر عليها ونحن عنها معرضون. 

أكرمنا رب العزة بكتاب يعتبر منبعا لطاقة روح الانسان لا ينفذ أبدا، أو كما قال محمد إقبال صاحب كتاب: “تجديد التفكير الديني في الاسلام”، في مقابلة له مع (موسوليني):”إن القرآن منبع للطاقة لم يستهلك فيما يشبه العناصر المشعة في الطبيعة”. وهذا يدل على أن الإسلام سيبقى يمد البشرية بأفكار أخلاقية – إنسانية رائدة.

ولا يمكن أن نفهم معاني آيات القرآن التي تتحدث عن القضايا الكبرى للنفس والكون بأدوات قديمة تجاوزها الزمن- كما يقول المفكر خالص جلبي-. فعلماءنا اجتهدوا ووضعوا تفاسير لكتاب القرآن استجابة لمتطلبات واقعهم وظروف زمنهم، نأخذ بها للاستئناس وليس للتقييد. فآية “(سنيريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق”) لا يمكن أن نفهمها بأدوات معرفية قديمة، بل نحتاج إلى أدوات جديدة لفك أسرارها وتتضح لنا معالمها الجديدة. وهذه الآية والآيات الأخرى التي تخبرنا عن بدإ الخلق مثل: (“قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق)” و(“يزيد في الخلق ما يشاء)” تعتبر بحق نظرية للمعرفة الانسانية.

يرى الفيلسوف محمد إقبال في كتابه: “تجديد التفكير الديني في الاسلام” السالف الذكر أن النبوة ختمت وانتهت، لأن العقل الانساني وصل مرحلة النضج، وبإمكانه أن يسير إلى الأمام معتمدا على ذاته وبدون مساعدة الوحي الإلهي. وهذا الانقلاب في التفكيرهو ما تشير إليه الآية التي مرت معنا (“سنيريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)”.

ويرى إقبال أيضا أن الوحي ظاهرة كونية، يمارسها النحل (“وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون)” (س. النحل). ولذلك فإنه عاب على (سقراط) اليوناني الذي كان يرى أن معرفة الانسان الحقة إنما تكون بالنظر في الانسان نفسه، لا بالتأمل في العالم الذي يحيط بالإنسان، كعالم النبات والجبال والنجوم… وما أشد مخالفة هذا لروح القرآن الذي يرى في النحل على ضآلة شأنه محلا للوحي الإلهي. وكذلك (أفلاطون) – يقول إقبال – كان لا يأخذ بالإدراك الحسي ويراه يفيد الظن ولا يفيد اليقين. وهذا يتعارض مع تعاليم القرآن الذي يعد السمع والبصر أجل نعم الله على عباده، وأن الله جل وعلا سوف يسألهما في الآخرة عما فعلا في الحياة الدنيا.

والواقع أن الحضارة الغربية تمدنا بأدوات وآليات عظيمة (العلوم الإنسانية والإجتماعية)، تمكننا من فهم روح الاسلام وآياته في الآفاق والأنفس. وإذا وفقنا وحصل لنا الفهم الصحيح لآيات الكتاب التغييرية، فلا بد من أن تفيض بركاتها على الأجيال القادمة، بل حتى على المجتمعات التي نعيش فيها لتعينها على إيجاد بعض الحلول لمشاكلها الاجتماعية – الأخلاقية، كما قال المؤرخ الانجليزي (توينبي):”إن فكرة تحريم الخمر في الاسلام هي ترميز لإحياء العقل ودواء لأمراض الحضارة”.

 

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *