العنصرية في الواقع وواقعها في الإسلام – ذ. عبدالقادر الصالحي

 العنصرية في الواقع وواقعها في الإسلام – ذ. عبدالقادر الصالحي

المعلوم لدى القريب والبعيد أن العنصريَّة متجذِّرة في البشرية منذ القِدم، وإذا تصفّحت صفحات التاريخ، واطَّلعت على الموروثات الثقافيَّة لهذه البشرية، لوجدْتَ نماذجَ صارخةً لهذه اللوثات المقيتة من العنصرية، فالبوذيَّة مثلا قسمت الناس إلى عدة طبقات – حسب اعتقادهم الباطل – فمَن خُلق من الفم هم أشراف الناس ورجال الدين عندهم، ومن خُلِق من الذراع هم رجال القوة والحرب، ومُن خلق من القَدَمِ هم العبيدُ والخَدَم، كذلك قسَّمت الحضارة اليونانيَّة الناسَ إلى أشرافٍ وأشرار، ومثلها فعلَتِ الحضارة الرومانية، أما الاعتقادُ اليهودي في البشر، فمعروفٌ ومشهور، ومُسجَّل في تاريخهم  وبروتوكولاتهم، فهم يعتقدون أنهم شعبُ الله المختار، وغيرهم همج أميُّون لا قيمة لهم، ولا وزن، ولا حق لهم حتى في الحياة.

 ولم يحِد العربُ قبل الإسلام عن هذه النعرة الرعناء، بل كانت القبليَّة سائدةً، والتقسيم الطبقي قائما؛ فهؤلاء من الأَوْسِ، وأولئك من الخَزْرَجِ، وهؤلاء من السادة، وأولئك من العبيد، وكانت الحروبُ والنّزاعات قائمة بينهم لعشرات السنين لا تتوقف ولا تحطُّ أوزارَها لأمور تافهةٍ، وعلَتْ أصواتُ الفخر لهذه العصبيَّة حتى قال قائلهم – وهو عمرو بن كلثوم في معلَّقته -:

إذا بَلَغ الرَّضِيعُ لنا فِطامًا ♦♦♦ تخرُّ له الجَبابرُ ساجدِينا

 والناظر اليوم إلى عالمنا الذي يدعي التحضر والمدنية في قرنه الواحد والعشرين ليس بمنأًى عن هذه اللوثة العصبية المشينة، التي تقوم على أساسٍ من العِرق أو الدِّين أو اللون، والأحداث شاهدة على ذلك، فما يحدثُ في فلسطين أساسُه العنصرية، وما يحدث في بورما ضدَّ المسلمين أساسُه العنصريَّة، وما حدث في البُوسنة والهِرْسك في التسعينيَّات من القرن الماضي أساسه العنصرية.

 ومؤخرا تعالت أصوات بالضجيج والعجيج تنادي بطرد المسلمين من أمريكا، والتضييقِ عليهم في غير مكان من عالمنا المتحضر والمدعي للإنسانية؛ وذلك بحجة مكافحةِ الإرهاب، وأن المسلمين هم أساسُه، وسببُه، ونحن لا ننكر أفعالًا هنا أو هناك تُسيء إلى الإسلام وإلى منتسبِيه، إلا أن سياسةَ التعميم التي يَنتهجُها الغرب تُظهر مدى العنصريَّة التي يتعاملون بها مع الإسلام والمسلمين.

 وكذلك المتابعُ للأحداث المتفرِّقة في أمريكا بينَ البِيض والزُّنوج يعرف أنَّ أساسها العنصريَّة؛ فالعنصريَّة حاضرةٌ في الزمن الماضي إلى وقتنا هذا. ومشهد قتل جورج فلويد تحت ركبة رجل شرطة وصراخه «لا أستطيع التنفس» ما هو إلا حدث من الأحداث المتكرره عبر التاريخ، ومثاله ما حدث للرجل الأسود إريك جارنر فى نيويورك فى 2014، عندما خنقه رجل شرطة بيديه، فالتاريخ يعيد نفسه.

ومن هذا المنطلق قد نصنف الناس إلى صنفين، لا ثالث لهما، صنف يتميز بالإنسانية وآخر بالعنصرية الممقوتة.

فالعنصري هو الذي يعتقد أنه فوق الآخرين ومتميز عليهم، يحق له ما لا يحق لهم، وهو معفى مما يجب عليهم، ينبغي أن يأكل وحده، وأن يسكن وحده، وأن يستمتع بالحياة وحده، وأن يشتري من الأشياء الثمينة ما يحلو له وحده، وأن يبني مجده على أنقاض الآخرين، وأن يبني غناه على فقرهم، وأن يبني حياته على موتهم، وأن يبني أمنه على خوفهم، وأن يبني عزه على ذلهم. والعنصري هو الذي يفضل عنصره على غيره من عناصر البشر ويتعصب له على أساس من الجنس، أو اللَّون، أو اللغة، أو الدِّين، أو حتى المستوى الاجتماعي والطَّبَقي. وأول من نادى بها هو إبليس عليه لعنة الله تعالى حيث قال: ((أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ )) ص:76.

ولكن الناظر إلى الإسلام بعينِ التجرد والإنصاف والحيدة، يتبين له أنه دينٌ لا يعرف العنصريَّة مطلقًا، بل هو دين يدعو إلى التعايشِ مع جميع الناس وشتَّى الأمم على اختلاف أجناسهم ومعتقداتهم.

لهذا فقد حرص دينُنا الإسلامي الحنيفُ على نبذ ومحاربة العنصريَّة والطبقيَّة بشتَّى أنواعها وأشكالها منذ بُعِث النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أعلنَها القرآن الكريم صريحةً مدوِّية ومجلجلة أن التفاضل بين البشر لا يكون إلا بميزان التقوى فحسب؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ الحجرات: 13.

 والإسلام لم يكتف بالأقوال والشعارات المنددة لذلك فحسب، وإنما تعدى هذا الأمر الجليل إلى واقع عملي، بحيث حرص على القضاء على التفرقة العنصرية التي كانت تسود المجتمعات الجاهلية من الأمم كالفرس والروم وغيرهم، الذين كانت لهم نظرة حقيرة بخصوص السود وكانت تسودهم القبلية، والتفاخر بالأنساب والألقاب، والتباهي بالمال والغنى، والتمييز بين الأبيض والأسود، وبين الغني والفقير، والسيد والمسود، ولكن الإسلام انتصر لهؤلاء البؤساء، وقرر المساواة بين الناس جميعاً لا تمييز بينهم إلا في درجة تقوى الله والإيمان به، فأعطى لكل شخص حقه واعترف بقدره، فكان بلال، العبد الأسود، أول مؤذن في الإسلام، وكان عبادة بن الصامت الصحابي الجليل أسود اللون، وقد أرسله عمرو بن العاص على رأس وفد للتفاوض مع المقوقس عظيم القبط، فاستاء المقوقس من سواد لونه وطلب من الوفد أن يفاوضه غيره، فرفضوا لأن الأمير أمَّره عليهم وهو أفضلهم رأياً وعلماً، ويروى أن الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري تجادل مع بلال مؤذن رسول الله صلى الله ةعليه وسلم وغضب منه فعيره بأمه لإذ قال له(( يا ابن السوداء))، فشكاه إلى النبي فقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: ((إنك أمرؤ فيك جاهلية، هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم)).

  وسيرة النبوية  مشحونة بمثل هذه المواقف التي تشجب وتنبذ كل أنواع العنصرية، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: «يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى». وكذلك من تطبيقات الرسول صلى الله عليه وسلم لمبدأ المساواة وإلغاء التمييز بين الناس  ما رواه البخاري ومسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: كنا في غَزاة فكَسَع رجلٌ من المهاجرين رجلًا من الأنصار (والكَسْع: ضربُ الدُّبرِ باليد أو بالرجل)، فقال الأنصاري: يا للأنصارِ! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فسَمِع ذلك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((ما بالُ دعوى الجاهليَّة؟!))، قالوا: يا رسولَ الله، كَسَع رجلٌ من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: ((دَعوها؛ فإنها مُنْتنةٌ)).

  ومن خلال السيرة أيضًا نَعلَمُ أن المسلمين تعايشوا مع غيرهم في المدينة المنوَّرة، فعقدوا صلحًا مع اليهود حتى خان اليهود عهدَهم وكتابَهم، وتصالحوا مع نصارى نَجْران، وكان من كبار الصحابةِ مَن لا ينتمي إلى العرب أصلًا، فهذا سلمان (الفارسي)، وصهيب (الرومي)، وبلال (الحبشي)، ونقولُ: رضي الله عنهم أجمعين؛ فالإيمان أزال وأذاب الفوارقَ التي تقومُ على أساسٍ من الجنس أو العِرق أو اللون، بل النبي صلى الله عليه وسلم صلى على امرأة توفت، كانت سوداء من ضعفة أهل المدينة وكانت تقمّ المسجد، بحيث أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ظنوا أنها أقلّ من أن يخبروا بموتها رسول الله فصلوا عليها دون أن يُعلموا رسول الله بذلك، فغضب عليهم، قال : هلا أعلمتموني ؟ وقام إلى قبرها وصلى عليها صلاة الجنازة تكريما لها.

وأخيرا أؤكد أن العلاج لهذا الداء العضال بين البشر بمختلف أجناسهم ولغاتهم ومعتقداتهم هو مبدأ المساواة والعدل، وهذا ما قاله وأكده نهر الرحمة والإنسانية نبينا عليه الصلاة والسلام في خطبة الوداع: «يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى» وقال أيضا ((أنتم بنو آدم وآدم من تراب))، والاعتراف بهذه الحقيقة هو الترياق الأمثل لمرض العنصرية والخوف من الآخر ولسائر مظاهر التفرق. ومبدأ العدل والمساواة يجب أن يكون هو المبدأ الحاكم بين البشر في العالم إذا أردنا حقيقة أن نتخلص من هذه اللوثة الحبيثة (( العنصرية)) بشتى أنواعها.

 الخبير التربوي: عبدالقادر الصالحي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *