الإمام علي ابن ابي طالب رضي الله عنه وحرية الفكر والاعتقاد – ذ. محمد ازرقان

 الإمام علي ابن ابي طالب رضي الله عنه وحرية الفكر والاعتقاد – ذ. محمد ازرقان

ذ. محمد ازرقان

القرآن كتاب رباني سنني وهو سجل للثورة الفكرية التي جاء بها محمد ابن عبد الله (ص). وكان علي ابن أبي طالب من الرجال الأوائل الذين اختارتهم العناية الإلهية بجانب الرسول (ص) لتولي مسؤولية تبليغ هذه الدعوة القرآنية إلى الناس.

روح دعوة القرآن هي العدل والتسامح وحرية الفكر والاعتقاد واحترام كرامة الانسان. والامام علي من الرجال القلائل الذين فهموا جوهر هذه المبادىء والقيم القرآنية وعملوا على تبليغها وقدموا الغالي والنفيس في سبيلها.

ومن يقرأ سيرته يجد أنه كان متسامحا مع مناوئيه وخصومه تسامحا مدهشا. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن تسامح هذا الرجل وصل إلى درجة يعجز عن الوصول إليه مصلحي ومفكري وقتنا الحاضر.

وعلي ابن أبي طالب هو آخر حاكم في تاريخ الاسلام الذي اختير اختيارا ديمقراطيا من قبل الشعب. وقد أشار هو بنفسه إلى ذلك بقوله:”إن العامة لم تبايعني لسلطان غالب ولا لعرض حاضر”. أما الخاصة فقد بايعه معظمهم. وحين رفض بعضهم بيعته تركهم أحرارا، فلم يجبر أحدا منهم عليها، وإنما خلى سبيلهم وقبل منهم عذرهم، بل وفر لهم الحماية من أن يصلوا إليهم الثائرون.

والغريب أن عبد الله ابن عمر أبى مبايعته، ثم طلب الإذن بالسفر. فلما طولب بكفيل يكفله، أبى أن يأتي به، فبادر الامام علي يكفله بنفسه. ولم يحدث في التاريخ أن حاكما يكفل رجلا رفض بيعته وأبى أن يطيعه. وتلك لعمري أية من آيات التسامح، ليس من السهل أن يأتي بها كثير من يتولى زمام أمور الشعب.

وذات يوم كان جالسا بين أصحابه يحدثهم في أمور تهم الرعية، فقال رجل من الخوارج يصف عليا: “قاتله الله، كافرا ما أفقهه”. فأراد القوم قتله، فقال علي: “مهلا، إنما هو سب أو عفو عن ذنب”.

والخوارج – كما هو معروف في التاريخ – كفروا الامام علي وشتموه في وجهه واستباحوا دمه. ولكن الامام لم يلجأ إلى قتالهم أو سجنهم أو متابعتهم.. كلا، لم يفعل ذلك! جادلهم وحاورهم بالحسنى في معتقداتهم وأفكارهم علهم يثوبون إلى رشدهم وينتهون من غيهم، وهذا قل ما نجده في التاريخ.

لم يقاتل منهم إلا تلك الجماعة التي خرجت عليه بالسلاح وقطعت طريق السابلة وأرعبت الناس وقتلت عبد الله ابن خباب ونسوة كن معه. فأرسل إليهم علي رسولا يسألهم عن هذا الفساد والفتنة فقتلوا الرسول أيضا. ورغم ذلك لم يلجأ إلى قتالهم إلا بعدما استنفذ كل الجهد في مجادلتهم ومحاورتهم.

وهو لم يفعل إلا ما تفعله الدول الديمقراطية الحديثة في مقاتلة الجماعات التي تلجأ إلى  العنف لأغراض سياسية أو عقائدية. العنف والقتال من مسؤولية الدولة وليست من مسؤولية الأفراد والجماعات، أي تحتكره الدولة الديمقراطية الراشدة. وعلي كان الحاكم الديمقراطي، اختارته الرعية لتولي شؤونها والسهر على سلامتها وأمنها.

ومما يلفت النظر في ديمقراطية على (كرم الله وجهه) أنه كان لا يذهب مذهب القدماء في عقيدة (الحاكم الالهي). إنما كان يعتقد بأن الحاكم يجب أن يختاره الناس بمحض إرادتهم، وأن الناس يستطيعون خلعه إذا ظلمهم واستبد برأيه.

والامام علي (كرم الله وجهه) عندما يعلن أن الناس أحرار في اختيار الحاكم الذي يتولى شؤونهم وإذا لم يوفى بالوعد وجب خلعه، فإنه كان يؤصل لمبدإ من مبادىء التي ترتكز عليه الديمقراطية الحديثة.  والديمقراطية وجدت لتضمن التعددية في المجتمع، وإلغاء الاحتكار والوصاية الأخلاقية عن امتلاك الحقيقة، وتبني المبدأ “ما أراه حقا يحتمل الخطأ، وما تراه انت خطأ يحتمل الصواب”. كل هذه الركائز توفرجوا فكريا خصبا وتحرر من الجو العفن والعقيم الفكريين، وتؤسس لمناخ يسمح للمجتمع بالتعبير والرأي.. والرأي الآخر والنمو المتبادل.

كان الامام علي يسعى جاهدا مع ثلة من رفاقه لتجدير لهذه الأصول الديمقراطية في سلوك المجتمع، لأنه كان يعلم علم القين أن تبليغ وترسيخ لمثل هذه المبادىء في المجتمع الاسلامي الوليد لا يصلح لها إلا تلك الفئة من الأنصار والمهاجرين التي ذاقت الويلات وتعرضت للتعذيب وتحملت من جراء الدعوة القرآنية الاضطهاد والمهانة. وكما يشير في إحدى خطبه:”إن الله سبحانه وتعالى يختبر عباده المستكبرين بأوليائه المستضعفين في أعينهم”. فالله تعالى يختبر عباده بأنواع الشدائد، ويبتليهم بضروب المكاره، إخراجا للتكبر من قلوبهم، وإسكانا للتذلل في نفوسهم، استعدادا لتولي المسؤوليات في المجتمع. والقرآن يشير أيضا إلى هذه المعاني التربوية، فيقول:” أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ”.

إن المجتمع الذي كان الامام علي يعمل على تأسيسه هو ذلك المجتمع الذي تسوده فضيلة التسامح وحرية الرأي المبنية على الاعتراف بالآخر، وحماية وجوده، باعتبار أن المحافظة على الآخر هي محافظة على الذات، وأن تدمير الآخر هي تدمير للذات.. باختصار، المجتمع الذي تحكمه القيم الديمقراطية والعدل والكرامة الانسانية.

ولكن غلمان بني أمية كانو يريدون شيئا آخر. اختلفوا مع الامام علي وانقلبوا عليه وحاربوه، بل قتلوه، فأجهض المنهج النبوي الانساني وضاعت الشورى والديمقراطية إلى يومنا هذا.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *