أخلاقنا في الواقع وواقعها في الإسلام – ذ. عبدالقادر الصالحي

 أخلاقنا في الواقع وواقعها في الإسلام – ذ. عبدالقادر الصالحي

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق .))المتأمل في معاني هذا الحديث يدرك أن المجتمع الجاهلي لم يكن يخلو من بعض مكارم الأخلاق، والتي نجدها في أشعار الجاهلية ومواقف العرب القديمة الراسخة من كرم وعزة نفس وشجاعة ومروءة وإيثار وقناعة وما يدور في فلك العطاء الإنساني.
يقول عنترة العبسي في مثل هذا السمو الأخلاقي:
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك          إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
يخبرك من شهد الوقيعة أنني          أغشى الوغى وأعفُّ عند المغنم
أو في قوله:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي       حتى يواري جارتي مثواها

ويقول السموأل بن غريض بن عادياء الأزدي، شاعر جاهلي:
إِذا المَرءُ لَم يُدنَس مِنَ اللُؤمِ عِرضُهُ     فَكُلُّ رِداءٍ يَرتَديهِ جَميلُ

وَإِن هُوَ لَم يَحمِل عَلى النَفسِ ضَيمَها   فَلَيسَ إِلى حُسنِ الثَناءِ سَبيلُ

ومثل هذه النماذج كثيرة في كتب التاريخ، لكن مع ذلك كان المجتمع الجاهلي يسوده الفساد وينقصه الكثير من الأخلاق والمكارم لتعلقه بالوثنية وعبادة الأصنام والكثير من التيه والضياع، وهو النقصان الذي أتمه الإسلام بمكارم الأخلاق وذلك ببعثة النبي العدنان محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء.
واكتمل صرح منظومة الأخلاق في عصر النبوة بعد أن نزلت آية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}(المائدة من الآية:3)، حتى صار هذا الصرح كأنه حديقة غناء وبستان ماتع، وارف ظلاله، ممتلئ بالزهور والرياحين يفوح منه كل رائحة زكية وصِنَّة بهية. لهذا استلهم الجيل الفريد من الصحابة الفكرة والمعتقد واستقى من هذا النبع الصافي وانتفع من هذا البستان الوافي، فترجم مثاليات الإسلام ومكارمه إلى واقع، وارتقى بالواقع البشري إلى درجة المثال.

ويعود الفضل في هذا التألق والتميز إلى الارتباط الوثيق في حس ذلك الجيل بين حقيقة الإيمان وبين القيم الخلقية التي يشتمل عليها هذا الدين. لقد كانت أخلاقهم تنبض بـ (لا إله إلا الله).
ولعل ما يثير الإعجاب بعظمة عطاء ذلك الجيل الناجح، أنهم في حقيقتهم لم يكونوا إلا بشرا، تتحرك في نفوسهم داوفع بني آدم، إلا أن حرصهم على الثبات في مستوى السمو والرقي الأخلاقي.. لم يستكينوا للهبوط أبدا، فهذا كان كفيلا بتحقيق التميّز والسبق.

وهذا ما يفسر ولو جزئيا براعتهم في نشر الإسلام في ربوع الأرض الفسيحة وبين الأقوام والملل الكثيرة، حيث اجتذبت قيمهم الراقية كل من تعامل معهم.

أما اليوم! فقد وصل بنا خط الانحراف الطويل إلى أمة ضعيفة متفرقة، تحمل الإسلام اسما بلا معنى، إسلاما بلا أخلاق، بل إسلاما متهالك القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمادية والروحية .. فماذا بقي فيه من حقيقة الإسلام؟!.

لقد انحرف (كثير من المسلمين) اليوم عن حقيقة الإسلام التي عرفها العالم في عصر النبوة والصحابة، سلوكا وتصورا. وعزلوا الدين عن نظم الحياة المختلفة، وتوارت العقيدة وراء مغريات الدنيا الفانية، وحسابات البشر القاصرة.

والناظر إلى واقع الأمة يرى نتاج ذلك في سلوكيات شريحة كبيرة من المسلمين وتصرفاتهم اليومية المقيتة والتي تنم عن سوء التربية والخلل في العقيدة وخبل في المبادئ والقيم وعدم الخوف من الله عز وجل، ومن بين ذلك ما لوحظ مؤخرا من بعض التصرفات التي صدرت من عشرات المواطنين وهم ينهبون الأضاحي من شاحنة خصصت لحمل الأضاحي، وذلك بالقوة والرشق بالحجارة، ووسط فوضى عارمة، وتشابك بالأيدي بين “الناهبين” مستعليين على القانون والأمن ومبادئ الشريعة الإسلامية.

فعجبا لهؤلاء!!! كيف يرتضي المرء لنفسه إحياء شعيرة عيد الأضحى ذات البعد الديني والتربوي، بأضاحي منهوبة من “مالكها” بالقوة، مع أن المقصد من نحر الأضحية ليس هو أكل اللحوم وإراقة الدماء وإنما الغرض والمقصد والحكمة من ذلك تحقيق تقوى الله عز وجل، يقول سبحانه: ((لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ))، كما أن الله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، فكيف يذبحون أضحية مغصوبة من صاحبها، في أعظم يوم عند الله عز وجل وهو يوم النحر، وعلاوة على ذلك أنهم ينحرونها وهو يسمون اسم الله عليها.

فيا للغرابة على هؤلاء!! كيف ترضى أنفسهم بهذه الدناءة في السلوك وهو يسرقون الأضاحي من أصحابها علانية وأمام أنظارهم دون خوف يردعهم ولا حياء يمنعهم ولا عفة تضبط نفسوهم عن الوقوع في الحرام ولا قناعة تكفيهم وتصرفهم عن الطمع والجشع مهما كانت الحاجة والظروف والتداعيات.

قال محمد بن حميد الأكاف:

تقنَّعْ بالكَفافِ تعِشْ رخيًا *** ولا تبغِ الفضول من الكفافِ

 ففي خبز القفار بغير أُدمٍ *** وفي ماء القِراح غنًى وكافِ

وفي الثوب المرقَّع ما يُغطَّى *** به من كلِّ عريٍ وانكشافِ

وكلُّ تزيُّن بالمرء زين *** وأزينه التزيُّنُ بالعفافِ

هذا غيض من فيض، وإلا فهناك كثير من المواقف والمشاهد التي تدل على انسلاخ كثير من المسلمين من قيمهم و مكارم الأخلاق. ولم يعد مستهجنا اختفاء الأخلاق والقيم لتحل محلها  النفعية الأنانية وتسلط القوي على الضعيف وانتشار المكر والخداع والرشوة ناهيك عن نهب أموال الناس بالقوة في الطرقات والأسواق والاعتداء على ممتلكاتهم وهلم جرا من هذه السلوكيات التي تنم عن بعد كثير من الناس عن مكارم الأخلاق ومحاسن هذا الدين العظيم.

وهذا دليل على أننأ،أ الأزمة التي تعيشها الأمة في الأخلاق والمعاملات، قد تجذرت في كياننا وعمقنا، وتأصلت في أنفسنا وفي كل ما يتعلق بحياتنا. نبصرها في الأسرة الواحدة بين المرء وأخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه وكل من في محيطه القريب والبعيد، نبصرها في المؤسسات والجامعات، في الأسواق والتجمعات، في مجالات العمل والتجارة والمال، في مواقع التواصل والإعلام، لقد أخطأ من جعل الأزمة الأخلاقية في هامش أزمات الأمة اليوم، بل هي محور أزماتها وسبب استضعافها كما يكون علاجها سبب عودتها ونهضتها ومقياس حضارتها ورقيها، أو لم تسمع لقول أحمد شوقي:
إنمـا الأمـم الأخلاق مـا بقيـت فإن هم ذهبت أخلاقـهم ذهبــوا

فإن لم يتدارك كل مسلم ومسلمة نفسه ثم أسرته ثم محيطه بالحرص على القيم السامية للإسلام العظيم وبنشرها بين الجموع للتأثير، إن لم يتدارك كل راع رعيته لحفظها من هذا الخطر الداهم، فلن نحلم بتجاوز مرحلة الاستضعاف والهوان التي نعيش مرارتها اليوم ونتنغص سمومها في واقعنا المر.
نعم لقد أضحت منظومة الأخلاق لدينا في خطر، فلا بد من تداركها بسرعة قبل تفاقم الوضع وفوات الأوان والله المستعان.

الخبير التربوي: عبدالقادر الصالحي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *